منتديات فرسان المعرفة

أهلا وسهلا زائرنا الكريم ومرحبا بك في منتديات فرسان المعرفة منتديات التميز والابداع ونتمنى أن تكون زيارتك الأولى مفتاحا للعودة إليه مرة أخرى والانضمام إلى أسرة المنتدى وأن تستفيد إن كنت باحثا وتفيد غيرك إن كنت محترفا

منتديات الشمول والتنوع والتميز والإبداع

قال تعالى ( يا أيها الذين أمنوا اذكروا الله كثيراً وسبحوه بكرة وأصيلا)أ
عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال(من قال صبيحة يوم الجمعة قبل صلاة الغداة , أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاث مرات غفرالله ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر)
عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه كان يدعو بهذا الدعاء "اللهم! اغفر لي خطيئتي وجهلي. وإسرافي في أمري. وما أنت أعلم به مني. اللهم! اغفر لي جدي وهزلي. وخطئي وعمدي. وكل ذلك عندي. اللهم! اغفر لي ما قدمت وما أخرت. وما أسررت وما أعلنت. وما أنت أعلم به مني. أنت المقدم وأنت المؤخر. وأنت على كل شيء قدير". رواه مسلم في صحيحه برقم (2719)
عن عقبة بن عامر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما أحد يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين يقبل بقلبه ووجهه عليهما إلا وجبت له الجنة)رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة وابن خزيمة في صحيحة
عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "اللهم! أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري. وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي. وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي. واجعل الحياة زيادة لي في كل خير. واجعل الموت راحة لي من كل شر". رواه مسلم في صحيحه برقم (2720)
عن أبي الأحوص، عن عبدالله رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه كان يقول "اللهم! إني أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى". رواه مسلم في صحيحه برقم(2721)
عن زيد بن أرقم رضى الله عنه. قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كان يقول "اللهم! إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرم وعذاب القبر. اللهم! آت نفسي تقواها. وزكها أنت خير من زكاها. أنت وليها ومولاها. اللهم! إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها". رواه مسلم في صحيحه برقم(2722)
عن عبدالله رضى الله عنه قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا أمسى قال "أمسينا وأمسى الملك لله. والحمد لله. لا إله إلا الله وحده لا شريك له". قال: أراه قال فيهن "له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. رب! أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها. وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة وشر ما بعدها. رب! أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر. رب! أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر". وإذا أصبح قال ذلك أيضا "أصبحنا وأصبح الملك لله". رواه مسلم في صحيحه برقم(2723)
عن عبدالرحمن بن يزيد، عن عبدالله رضى الله عنه . قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمسى قال "أمسينا وأمسى الملك لله. والحمد لله. لا إله إلا الله وحده. لا شريك له. اللهم! إني أسألك من خير هذه الليلة وخير ما فيها. وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها. اللهم! إني أعوذ بك من الكسل والهرم وسوء الكبر. وفتنة الدنيا وعذاب القبر". رواه مسلم في صحيحه برقم(2723)
عن أبي موسى رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت) رواه البخاري.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله, ورجل قلبه معلق بالمساجد إذا خرج منه حتى يعود إليه, ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه, ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه, ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله , ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) متفق عليه
عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ) روه الشيخان والترمذي.
عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(الطهور شطر الإيمان والحمدلله تملأ الميزان وسبحان الله والحمدلله تملأ أو تملآن ما بين السماء والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبائع نفسه أو موبقها) رواه مسلم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم(من قال سبحان الله وبحمده في يومه مائة مرة حُطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر)رواه البخاري ومسلم.
عن أبي سعيد رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( استكثروا من الباقيات الصالحات ) قيل وما هن يارسول الله؟ قال ( التكبير والتهليل والتسبيح والحمدلله ولا حول ولاقوة إلابالله ) رواه النسائي والحاكم وقال صحيح الاسناد.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أحب الكلام إلى الله أربع- لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله والحمدلله ولا إله إلا الله والله أكبر ). رواه مسلم

رحلة الحياة - الإنسان بين العمل والأمل والأجل

شاطر
avatar
abrahim
مشرف
مشرف

الجنس : ذكر
الابراج : السرطان
عدد المساهمات : 54
نقاط : 3125
السٌّمعَة : 40
تاريخ التسجيل : 24/07/2011
العمر : 41

رحلة الحياة - الإنسان بين العمل والأمل والأجل

مُساهمة من طرف abrahim في السبت 19 مايو 2012 - 11:52

رحلة الحياة
الإنسان بين العمل والأمل والأجل




بقلم الأستاذ
هشام عبد الرزاق الحمصي



دار الكلم الطيب
دمشق- بيروت




مقدمة

الحمد لله كفى، والصَّلاة والسلام على سيدنا المصطفى، وعلى آله وصحبه، ومن وفّى ووفى.

وبعد:

ففي قرنٍ كثرت فيه المغرياتُ، وفشت الضَّلالاتُ، وسيطر الناس حبُّ الشهوات، وصدَّق الكثيرُ منهم الخرافات، حتى تغلغل كثيرٌ من الباطل إلى كثير من بيوتات المؤمنين والمؤمنات، وعاش الناسُ ساهمين، لاهين، عابثين، وكأنهم مخلدون في هذه الحياة الدنيا، ناسين لقاء الله، معرضين عن ذكر الممات، مشتغلين بمطالب الجسد، مشغولين عن مطالب الروح، والقلب، والفكر، فشردوا كثيراً عن الجادة، مُنغمسين في أوحال المادة، متناسين الآخرة؛ التي هي خير وأبقى.

حكم المنية في البريّة جاري ما هذه الدُّنيا بدار قرار

بينا يرى الإنسانُ فيها مخبراً فإذا به خيرٌ من الأخبار

ومكلف الأيامِ ضدّ طباعها متطلبّ في الماء جذوة نار

وفي عصر كثرت فيه الآراءُ، وتشعّبت الأهواء، وأغرق أكثرُ الناس في التعرضّ للأهواء والأدواء، مُعرِضين عن الحقيقة والدواء.

كلُّ ذلك دعاني إلى أن أضعَ كُتيِّباً صغيراً عن الإنسان بين الأَمل والعمل والأجل، يُبصِّره بعظة الموت، ويكفيه، ويغنيه في هذا الموضوع عن المجلدات والمطوّلات؛ التي انصرف الناسُ عنها في عصر السرعة، يؤثرون الكتابَ الصَّغير على الكبير، والمختصر الوجيز على الواسع المبسوط، والواضح على المعقّد، شريطةَ البعد عن قصر مخلّ، أو طول مملّ.

فأسأل الله تعالى؛ الذي علم الإنسان ما لم يعلم، أن يجعل ثوابَ هذا العلم وابلاً من الرَّحماتِ، وفسيحاً من الجنَّات، يتَغمّد بها والديّ، ومن سبقنا إلى رحمته من حبيبٍ أو قريب، أو صديق، أو غريب، إنه نعم المولى، ونعم المجيب.

وأرى لزاماً عليَّ أن أشيرَ إلى الجهد؛ الذي قامت به دار الكَلِم الطَّيِّب، تجاه هذا الكتاب وغيره، ممَّا يدلُّ على حُسن النيّة، وسلامة الطويّة لدى القائمين عليها، والعاملين فيها، فقد بذلوا ما في وسعهم من ضبط الكتاب، وتخريج أحاديثه، وتصحيح تجارب طباعته، وإخراجه بحلة قشيبة، تنمُّ عن ذوقٍ رفيع، وحُسن اختيار بديع.

وأسأل الله- عز وجل- أن يسدِّد الخطى نحو الخير، ويُكلل المساعي بالنجاح والفلاح والتوفيق.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وكتبه

هشام عبد الرزاق الحمصي

أبو هاني

كل نفس ذائقة الموت

يقول الله تعالى في سورة [آل عمران: 185] ) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ( يقرّر الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّ كلَّ مخلوق سيموت إذ: ) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ( [الرحمن: 26- 27]

فمن بذل جهداً كبيراً لينجو من النار فقد أفلح وفاز، وكان سعيه مشكوراً، وعمله مبروراً.

وكلمة (زحزح) تعني أمرين:

(1) بذل جهد كبير؛ لأن الشيء الثقيل هو الذي يزحزح لصعوبة حمله. والإنسان يزحزح نفسه عن النار بإيمانه، وتقواه، وإخلاصه.- لصعوبة تحملها-.

(2) المثابرة والمداومة على ذلك إلى الممات.

)وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ( [الحجر: 99] أي: الموت.

فتكرار الزاي والحاء في (زحزح) يدل على تكرار بذل الجهد للنجاة من عذاب النار، أما الذين يزعمون أنهم وصلوا إلى مرتبة اليقين فسقطت عنهم التكاليف، ولا سيما العبادة، مفسرين كلمة اليقين بغير الموت، فقد ضلوا ضلالاً بعيداً، فـ (حتى) تدخل على نهاية الشيء، ونهاية الإنسان في الدنيا الموت، وهو اليقين، أي: هو حق.

وقد ورد في الأثر: (الموت حق).

وقد ظل رسول الله r يعبد ربه طول طول حياته، بل كان يقوم الليل أحياناً حتى تشفق عليه زوجته، وتذكره بفضل الله عليه، ومكانته عند ربه في الدنيا والآخرة، فيجيبها: "أفلا أكون عبداً شكوراً". متفق عليه.

وهو rأكمل الناس إيماناً ويقيناً، وأحسنهم خلقاً، وأكثرهم بالله والحق معرفة.

ومريم- عليها السلام- اصطفاها الرحمن، فقبلها في الكنيسة، ولم يكن يقبل قبلها إلا الذّكر- وهذا هو الاصطفاء الأول-: ) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا( [آل عمران: 37] واصطفاها الاصطفاء الثاني على نساء العالمين، فهي المرأةُ الوحيدةُ في العالم؛ التي وَلدت دون زوج سبق، أي: بأمر الله؛ الذي نفخ فيها من روحه، أي: أرسل جبريل- عليه السلام- لينفخ فيها فتحمل بأمر الله: ) يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ( [آل عمران: 42]. وهذا الاصطفاء كان مدعاةً لأن تَستزيد من الطاعات شكراً لله تعالى: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران: 43]. فهل من مدّكر؟!





النفس والروح

اختلف العلماءُ والمفكرون فيهما، فمن قائل: إنهما شيءٌ واحد، ومن قائل: إنهما شيئان كل منهما له خصائصه المتميزة. والرأي الثاني هو الذي تميلُ النفس إليه، ونراه أصوب وأصحّ.

وأضرب مثلاً قبل البدء بالبحث يوضّح هذا الفرقَ بينهما، فالسيارة التي تسيرُ على وجه الأرض، روحها النفط (البنزين)، ونفسها قائد السيارة المسئول عن كل حادث، أو جنوح، أو تفريط.

وهيكلها، وقطعها، وأجزاؤها هي الجسد. والنفط والهيكل، وما حوله لا يسألان عن تفريط السائق الذي يمثّل النفس.

وهكذا الإنسانُ من روح، ونفس، وجسد، فبالروح يتحرك، وبالنفس يعقل ويفهم، ويدرك، ويحسن التصرف.

وجسده أعضاء تتحركُ بأمر العقل والقلب، اللذين يمثلان النفس.

والروح تصعدُ عند الموت إلى خالقها، تنتظر أن يعيدَها إلى الميت متى شاء، والنفس تبقى تتنعمُ في عالم البرزخ إلى يوم الدين، إذا بشّرت من الملكين بالعاقبة السليمة في نعيم مقيم، وكأنها في روضٍ من رياض الجنة. أو: تتألم في عالم البرزخ إلى يوم الدين، إذا أنذِرَت من الملكين بعاقبةٍ وخيمةٍ في عذاب وجحيم، وكأنها في حفرةٍ من حفر النار.

والجسد يفنى ويبلى إلى يوم الدين.

ألا ترى إلى النائم على صخر يُسَرُّ ويسعد إذا رأى رؤيا جميلة، سارّة، مُطمئِنة، وإلى نائم آخر يتألم ويصرخن وقد يبكي إذا رأى رؤيا مخيفة، مزعجة، مرعبة؛ ولو كان ينام عل حرير؟

وكذلك المرءُ في قبره إلى يوم الحساب، إما أن يتنعم بنعيم نفسه، وإيمانها، وإخلاصها، وتقواها إلى أن يبعث، فيشهد النعيم عين اليقين.

وإما أن يتألم بألم نفسه بكفرها، وفسقها، وضلالها إلى أن يبعث، فيشهد الجحيم عين اليقين.
avatar
abrahim
مشرف
مشرف

الجنس : ذكر
الابراج : السرطان
عدد المساهمات : 54
نقاط : 3125
السٌّمعَة : 40
تاريخ التسجيل : 24/07/2011
العمر : 41

رد: رحلة الحياة - الإنسان بين العمل والأمل والأجل

مُساهمة من طرف abrahim في السبت 19 مايو 2012 - 11:54

تعريف النفس:

قال ابن عباس- رضي الله عنهما-: النفس هي التي بها العقل والتمييز، وإليها يتوجّه الخطابُ، وهي تفارقُ الإنسانَ عند النوم، وتعود عند اليقظة ) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ( [الزمر: 42]

والروح هي التي بها النَّفَس، والحركة، والحياة، لا تفارق الإنسان إلا عند الموت.

وبهذا التعريف اتَّضح لنا أنَّ ابنَ عباس- رضي الله عنهما- يُفرِّق بين النفس والروح، ويعتبرهما شيئين، لا شيئاً واحداً، وهو الأرجحُ كما أسلفت.

وقال بعضهم: النفسُ قسمان:

(1) نفس روحانية تفارق الإنسان عند النوم، وبها التمييز والعقل، وإليها يتوجّه الخطاب.

(2) ونفس حيوانية، وبها الحركة والنَّفَس، ولا تفارقه إلا عند الموت.

وهؤلاء أيضاً فرَّقوا بين النفس والروح في الحقيقة، لا في اللفظ، كما هو واضح، والنتيجة واحدة،وكأن تفسيرٌ لآية الزمر (42) سابقة الذكر.

والعرب أطلقت على الروح لفظ النفس مجازاً، فقالت في الميّت: خرجت نفسه، فاضت نفسه، أي: روحه؛ لأن الموتَ يتحقق بذهابها وصعودها إلى خالقها.

ولعل من قبيل المجاز أيضاً قولهم: النفس جسم لطيف مشتبك بالبدن كاشتباك الماء بالعود الأخضر.

ولذا فقد قال علي- كرم الله وجهه، ورضي عنه-:

الروح في الجسد كالمعنى في اللفظ.

قد ذكر لفظ الروح لا النفس، ملتزماً الحقيقة لا المجاز.

والنفس هي التي تُحاسَب: ) كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ( [المدثر: 38]. فتتنعم إن أحسنت، وتتألم إن أساءت، فهي التي تأمرُ الجسدَ بالطاعة، أو بالمعصية:

) إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ( [يوسف: 53]

والذين رحمهم الله هم أهلُ الطاعة والإخلاص؛ الذين يعتصمون بحبل الله، ويطلبون منه الهدى والعصمة عن المعاصي، ولاسيما الكبائر.

والنفس هي التي تلوم: )وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ( [القيامة:2] ليرتدع الجسد عن كل معصية.

وهي التي تطمئنُ بالطاعات، وترضى بالصالحات والحسنات، فيفوز صاحبها بالجنات.

) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) ( [الفجر: 27- 30]

ولما كان مجالُ المجال واسعاً في لغة العرب، فقد استخدم القرآنُ الكريم لفظ النفس لعدَّة أمور؛ لحكمةٍ وارتباط في شيء ما، كذلك فعلت العرب، وإليك البيان.

Ÿ من القرآن الكريم:

ذكر الإمام ابن الجوزي- رحمه الله- في كتابه: ((نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر)) أن النفس في القرآن الكريم على ثمانية أوجه:

(1) آدم: ) الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ( [النساء:1]

(2) الأم: ) ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا( [النور: 12] أي: بأمهاتهم، والمراد: عائشة أم المؤمنين- رضي الله عنها-.

(3) الجماعة: ) إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ([آل عمران: 164]. وفي [التوبة: 128] ) لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ (

(4) الأهل المذنبون، ومن عبد غير الله ) فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ( [البقرة: 54] أمر لليهود أن يقتلوا من عبد العجل في غياب موسى- عليه السلام- والعجل: هو الذي صنعه لهم السامري من ذهب.

(5) أهل الدّين: ﯜ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ [النور: 61] أي: على من فيها من أهل ملتكم وعقيدتكم. وفي [الحجرات: 11] ) ولا تلمزوا أنفسكم( أي: لا يعب بعضكم بعضاً ولا يطعن بعضكم سمعة وأخلاق بعض؛ لأن من أساء إلى أخيه فكأنما أساء إلى نفسه، والمجتمع الإسلامي كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تألم له كل عضو آخر.

(6) الإنسان: ) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ( [المائدة: 45] أي: يُقتل الإنسانُ القاتل عمداً قصاصاً بالإنسان المقتول.

(7) البعض: ) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ( [البقرة: 85] أي: يقتل بعضكم بعضاً.

(8) ذات الشخص: ) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ([النساء: 66]

Ÿ من لغة العرب:

(1) ذات الشيء، ((جاء زيدٌ نفسه)). وغالباً ما تقعُ توكيداً لما قبلها، يتبعه في الإعراب رفعاً، ونصباً، وجراً.

ولا يصح أن نقول: جاء نفس زيد، أو: قرأت نفس الكتاب، بل أقول: قرأت الكتاب نفسَه. وارجع إلى المرجع نفسِه. ويخطئ من يقول: ارجع إلى نفس المرجع.

(2) الروح، ((خرجت نفسه)) أي: فاضت روحه. وهو من باب لمجاز كما ذكرنا سابقاً.

(3) الدم، يقول الفقهاء: ما لا نفس له سائلة لا ينجّس الماء، أي: ما ليس له دم سائل كالبقّ مثلاً. ولعلهم أطلقوا النفس على الدم؛ لأنَّ الدمَ أصلٌ في بقاء الإنسان أو المخلوق، فإذا ذهب الدمُ مات المخلوق، أي: ذهبت نفسُه أي: فاضت روحُه.

(4) العند، أي: ما يوجد عند المذكور في الكلام كالإدارة والغيب، ومنه قول عيسى عليه السلام لربّه: ) تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ( [المائدة: 116] أي: تعلم غيبي، ولا أعلم ما عندك من الغيب، بدليل نهاية الآية: ) إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ( [المائدة: 116] وهذا ما لم يذكره ابن الجوزي، وكان يجدر به أن يذكره.

ولعلَّ الغيب قد استعملت النفس مكانه؛ لأن النفس خفيّة الموضع، وكذلك الغيب خفيّ عمن يجهله.

(5) العَين، أي: الحسد وأثر الحاسد، لأنَّ الحاسدَ ينظر بعينه غالباً فيحسد غيره على ما عنده من نعم.

تقول العرب: أصابته عينٌ، كما تقول: أصابته نفس، أي: عين الحاسد.

((والعين حقّ)) (1) كما قال صلى الله عليه وسلم، ولكن لا يصيب المحسود إلا ما قدّره الله له.

وقد ذكرت في كتابي: ((القضاء والقدر: حق وعدل))(2) أنَّ غاية ما في الأمر إذا حصل للمحسود ضررٌ: أن حسده قد وافق قضاء الله وقدره في حدوث ذلك الضرر، فتحقق القضاءُ والقدر في وقته، وعُوقِب الحاسدُ على حسده، بحيث لو لم يحسد لوقع ما قدره الله على المحسود.

وقل مثل ذلك في المنتحر، فهو لا يموت إلا في وقته المقدّر له، بحيث لو لم ينتحر لمات في وقته، فوقع لقضاء والقدر بموته في ومن إصراره على الانتحار، فعوقب على نيته في الانتحار.

--------------------

1- رواه البخاري ومسلم . 2- من منشورات دار الكلم الطيب، الطبعة الأولى، 1994م.

وكم من أناس حاولوا الانتحار بأقسى وأخطر الوسائل فلم يموتوا، وأسعفوا، وعاشوا بعد محاولتهم طويلاً؛ لأنَّ سبب الموت انقضاء الأجل، لا محاولة الانتحار:) فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً
وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ
( [الأعراف: 34] فتأمل، وتبصّر.

ومنها قول الشاعر:

فاسلم سلمت من المكاره والرّدى

وعثارها ووقيتَ نفسَ الحسَّدِ

وفي الحديث الشريف: ((باسم الله أرقيك، والله يشفيك من كل داء يؤذيك وداء هو فيك، من كل عين عائن، ونفس نافس، وحسد حاسد)) رواه أحمد والنسائي.

(6) العقوبة والعذاب، تقول العرب: ((أحذرك نفسي)) أي: عقوبتي وانتقامي.

وفي القرآن الكريم [آل عمران: 28] ) وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ( أي: عقوبته وعذابه إن كفرتم أو ضللتم، واتخذتم الكفار أولياء من دون المؤمنين، وهذا مما فات ابن الجوزي أن يذكره أيضاً.

(7) الماء، لفرط الحاجة إليه كالنفس، أي: الروح والحياة: ) وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ( [الأنبياء: 30]

(8) علو الهمة والعزة والكرامة، يقول الإمام الشافعي- رحمه الله-:

علي ثياب لو يباع جميعها بفلس لكان الفلس منهن أكثرا

وفيهن (نفسٌ) لو يقاس ببعضها نفوسُ الورى كانت اجل وأكبرا



وما ضرَّ نصل السيف إخلاق غمده إذا كان عضباً حيث أنفذته سرى

وفي الأبيات تشبيهٌ ضمني، يشبه نفسه فيها بالسيف القاطع، وثيابه بغمد السيف المهترئ البالي.

فقدم الثياب واهتراؤها لا ينقص من قدر صاحبها العالم، المجيد، الكريم. واهتراء الغمد لا يضرُّ السيف القاطع.

(9) نفس الإنسان، إذا فقدها، أو كل مخلوق، ومنها الآية الكريمة ) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ( [آل عمران: 185] أي: كل مخلوق سيموت، ويبقى الخالق الحي، جل جلاله.

(10) التكبر والتعالي على الناس، تقول العرب في المتواضع: ((فلان ليس له نفس)) أي: لا يتكبر على غيره.

(11) الرغبة، تقول العرب: فلان نفسه في كذا، أي: رغبته معلقة به، أو: يحب كذا.

(12) الهمّ والكرب، ومنه قول الشاعر:

فأصبحت ذا نفسين نفسٍ مريضةٍ

من الناس ما ينفعكُّ همٌّ يعودُها

ونفس ترجي وصلها بعد بعدها

تجمَّلُ كي يزداد غيظاً حسودُها

النَّفَس:

أمَّا النفس فهو يتناول أحد الأمور التالية:

(1) واحد الأنفاس.

(2) الطول من الكلام، فيقال: فلان له نفس طويل، أي: إذا تحدَّث، أو قرأ القرآن الكريم.

(3) السَّعة والفسحة في الأمر، والفضل، والنعمة. ومنه ما ورد في الحديث الشريف: ((لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرَّحمن)) وروي: ((من روح الله)) أي: من رحمته، أي: تفرج الكرب، وتنشر الغيث، وتذهب الجدب.

-----------

1-((يعودها)): يزورها. 2-((تجمِّل)): أي: تتجمّل، حذفت إحدى التاءين للتخفيف 3- رواه أحمد وابن ماجه. 4- ((الجدب)): القحط.



ورواية ((من روح الله)) هي: ((لا تسبوا الريح فإنها من روح الله- بفتح الراء، أي: من أوامره- تأتي بالرحمة والعذاب، ولكن سَلوا الله من خيرها، وتعوّذوا بالله من شرّها)).
avatar
abrahim
مشرف
مشرف

الجنس : ذكر
الابراج : السرطان
عدد المساهمات : 54
نقاط : 3125
السٌّمعَة : 40
تاريخ التسجيل : 24/07/2011
العمر : 41

رد: رحلة الحياة - الإنسان بين العمل والأمل والأجل

مُساهمة من طرف abrahim في السبت 19 مايو 2012 - 11:56

كيف نعرف عيوب النفس؟

لكل عضو مرض يعرف به، فمرض العين تعذر الإبصار، ومرض الأذن تعذر السمع، ومرض القلب تعذر العلم، والحكمة، والمعرفة، والبعد عن الله تعالى، وإيثار الشهوات على غيرها، فلو عرف الإنسانُ كلَّ شيء، ولم يعرف ربه، فهو جاهل؛ إذ أول واجب على الإنسان: معرفة الإله باستيقان.

وعلامة معرفتك لله تعالى حبك له، وعلامة هذا الحب إيثارك لأوامره على كل شيء، واجتنابك لنواهيه قبل كل شيء.

ومرضُ القلب خفيّ، قد لا يعرفه صاحبُه، وإن عرفه صعب عليه الخلاصُ منه، وتناول الدواء؛ لأنَّ مرضَ القلوب: الجهل، والشهوات المحرمة، أما: دواؤه فمخالفة الهوى.

فإذا أهمل الداء، ولم يتخذ الدواء، تحوّل الداءُ إلى مرض عضال يفتك بصاحبه.

) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)( [الفرقان: 43- 44]

ومن أدرك حقيقة الحياة، وأنَّ العمر قصير مهما طال، وأن الدوام بعد الدِّين، إما في نعيم أو في جحيم؛ تحمّل مشقة السفر لأيام، لينعم ي حياة الخلود.

ﭧ ﭨ ) فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ( [التوبة: 38] و((في)) الواردة في الآية هي النسبية القياسية، أي: فما متاع الدنيا بالنسبة والقياس إلى الآخرة إلا شيء تافه، لا يستحق الذكر.

وإذا أراد الله بعبد خيراً بصره بعيوب نفسه، ومن كملت بصيرته لم تخف عليه عيوبه، ومن ثم يعرف العلاج؛ إذ ما أكثر من يرى القذى في عين أخيه ولا يراه في عينه!

وللوقوف على عيوب النفس لنتجنبها عدَّة طرق؛ أهمّها:

(1) أن تبدأ بمعرفة الخالق، فهو عليم بكل شيء، يخبرك في كتابه العزيز عما يصلحك، وينهاك عما يفسدك، كما يخبرك على لسان رسوله الأمين محمد صلى الله عليه وسلم: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُﭙ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: 16]

وارتباطك بالخالق، وعنده الكمال المطلق، يحدوك أن تسعى إلى الكمال ما استطعت، ففي سورة [التغابن: الآية: 16] ) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ( فأسماء الله الحسنى ذكرت كثيراً في القرآن الكريم، وفي موضعها المناسب؛ لنتأسى بكمال الله جهدنا، فنكون جديرين بالفوز برضاه، وجناته.

وفي الحديث: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة)) رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه.

أي: من وعاها، وفهمها، وقدرها، وبذل جهده لتمثل ما استطاع من ذلك الكمال- فغدا عزيزاً، كريماً، قوياً في الحق، حليماً رحيماً، يرحم الضعيف، ويواسي المسكين، ملكاً على نفسه وشهواته يضبطها، ويكبح جماحها، ويزكي نفسه في طريق الكمالات- كان موضع رضا الله تعالى، وتوفيقه في الدنيا والآخرة.

وإن تعجب فعجب فعل الجاهلين من الناس الذين ظنوا قوله صلى الله عليه وسلم ((من أحصاها)) أي: من حفظها عن ظهر قلب- ولو لم يتمثل شيئاً من كمالاتها- فهم يكتبونها، ويوزعها للرواية لا للدارية، وللتبرك لا للوعي والاقتداء، يذلون والله العزيز يدعوهم للعزة، وينافقون والله يدعوهم للصِّدق والإخلاص، ويضعفون أمام عدوهم والله القوي يدعوهم للصبر، والثبات، وإعداد ما استطاعوا من قوة، ويعدهم بالنصر.

وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ [المنافقون: 8]

(2) من الحديث الشريف الذي بين أن الحلال بين والحرام بين، ودعا لترك الشبهات والريبة والذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: ((فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)) رواه أحمد والبخاري ومسلم.

وقوله صلى الله عليه وسلم ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) رواه أحمد والترمذي.

وجعل نفس المؤمن ميزاناً سليماً، عادلاً، وافياً للتمييز بين:

الخير والشر، الحق والباطل، الفضيلة والرذيلة، الهناء والشقاء، الحسن والقبيح، البر والإثم، فقال صلى الله عليه وسلم: ((البر حسن الخلق، وهو: ما اطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في نفسك، وتلجلج- تردد- في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس. استفت قلبك ولو أفتاك الناس وأفتوك)) رواه الطبراني في الأوسط.

أما حين يصير المرء جريئاً في الباطل، فاعلاً للرذائل، يجاهر مفتخراً بفعل الأسافل، فتلك هي الطامة عليه وعلى مجتمعه، وأسرته، ومستقبله.

وليس عجيباً بعد هذا أن ينذره الرسول صلى الله عليه وسلم وأمثاله بعذاب أليم، وعدم قبول توبتهم إن أصروا على المجاهرة بالمعاصي، والافتخار بها دون حياء، ولا خجل، ولا ندم، ولا توبة.

قال صلى الله عليه وسلم: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرين)) رواه الطبراني في الأوسط

أي: الذين يجاهرون بما فعلوا من معاصٍ ولا يسترونها، وكأنهم يصرون عليها، ويغرون غيرهم أن يفعل كما فعلوا.

(3) من فم عالم بصير بعيوب النفس، وطرق علاجها: ) فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ( [الفرقان: 59]

عالم قدوة، يبدأ الحق بنفسه قبل أن يطلبه من غيره.

روت كتب التراجم أن علياً- كرم الله وجهه- دخل مسجداً من مساجد البصرة، فوجد فيه من يدرس على علم كالحسن البصري- رحمه الله-، ومن لا يحسن إلا القصص والإسرائيليات فمنعه وأبقى أهل العلم، وسأل الحسن البصري: ما ملاك الدين؟

قال: الورع.

قال: وما هلاكه؟

قال: الطمع.

فقال له: الزم فأنت المعلم الفاهم.

وهذا عمر بن عبد العزيز- رحمه الله- تولى الخلافة، فدعا العلماء يستنصحهم، ويستشيرهم قائلاً: إني قد ابتليت بالإمارة فانصحوني.

فقال له أحدهم: إذا أردت أن تنجو من حسرتها وندامتها يوم الدين، فاجعل كبير المسلمين أباً لك، وأوسطهم أخاً لك، وصغيرهم ابناً لك، فبر أباك، وأكرم أخاك، وتحنن على ولدك.

(4) من فم صديق صدوق، مخلص، ينصحك إذاانحرفت، ويذكرك إذا نسيت فالدين النصيحة، ولمؤمن مرآة أخيه المؤمن، وهو مستشار وؤتمن، وهو لأخيه المؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى. والصديق الوفي من صدقك- سكت عن ضلالك-

وكان عمر- رضي الله عنه- يقول: رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي .

فقد اعتبر من ينصحه محسناً إليه، واسترشد غيره، معتبراً الهداية هداية.

لو نبّهك صديقك محذراص من عقرب دخل جسمك، فسرعان ما تبحث عن العقرب لتقتله وتنجو من خطره، فلم لاتسرع إلى الخلاص من عقارب الأخرق إذا نبهك مخلص يحذرك منها؟! وعقارب الأخلاق أشدُّ فتكاً بالفرد والمجتمع من عقارب الحشرات.

ولله درُّ من قال:

إذا المرءُ لا يرعاك إلا تكلفا فدعه ولا تكثر عليه التأسُّفا

فما كلُّ من تهواه قلبه ولا كل من صافيته لك قد صفا

سلامٌ على الدنيا إذا لم يكن بها صديقٌ صدوقٌ صادقُ الودِّ منصفا

(5) من ألسنة الحسّاد والخصوم، فحاسد يعرفك بنعم الله تعالى عليك- وما أكثرها!- لتحمد الله عليها وتشكره، وخصمك ينافسك في سلم المجد والمعالي، فترقى لتسبقه؛ ولذا قال الشاعر:

ولن تستبين الدَّهر موضعَ نعمةٍ

إذا أنت لم تدلل عليها بحاسد

وقال آخر:

وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود

وقال ثالث:

عداتي لهم فضل علي ومنة فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا

هم عرفوني زلتي فاجتنبتها وهم نافسوني فارتقيت المعاليا

(6) من سلوك الناس، فما تستحسنه منهم تحرص عليه، وما تستقبحه تهجره ولا تفعله. والعاقل من وعظ بغيره.

وانتبه إلى الخطوة الأولى، فإن كانت في طريق الحق، والحلال، والصدق نفعتك، وصح مسارك فسلمت. وإن كانت في طريق الباطل، والحرام، والنفاق أضرتك، وضل، وخاب مسارك، فهلكت، فقد حدثوا أن عالماً كان يسير مع تلاميذه في بستان، فاعترضتهم مخاضةٌ فيها طين، فوضعوا له حجارةً ينتقل عليها ليتجاوز المخاضة، فزلت قدمه، فوقع في الطين، فخاضه ولم يعد إلى الحجارة يتلمسها، فلما سئل: لم؟ قال: وما الفائدة من العودة إلى الحجارة، وقد وقعنا فيما كنا نحذر؟! ثم أعطاهم نصيحة فيها درسٌ بليغ لمن يعقل، فقال:

((وكذلك المرء لا يزال يتوقى الشبهات والمحرمات، ويبتعد عنها، حتى إذا وقع في شيءٍ منها خاضعها كلها ولا يبالي))

أمَّا المسقيم فهو الناجي والسعيد في دنياه وآخرته.

وفي الحديث الشريف: ((استقيموا ولن تحصلوا)) رواه أحمد وابن ماجه والحاكم والبيهقي.

أي: إذا استقمتم فلن تستطيعوا أن تحصوا الخير الذي يأتيكم بعد استقامتكم لكثرته.

يا نفس إني قائلٌ فاستمعي

مقالة من مرشدٍ ناصح.

ما صاحب الإنسان في قبره

غير التقى والعمل الصَّالح.



ورحم الله أحمد شوقي القائل:

صلاحُ أمرك للأخلاق مرجعُه

فقوَّمِ النفسَ بالأخلاقِ تستقيم.
avatar
abrahim
مشرف
مشرف

الجنس : ذكر
الابراج : السرطان
عدد المساهمات : 54
نقاط : 3125
السٌّمعَة : 40
تاريخ التسجيل : 24/07/2011
العمر : 41

رد: رحلة الحياة - الإنسان بين العمل والأمل والأجل

مُساهمة من طرف abrahim في السبت 19 مايو 2012 - 11:58

ألهاكم التكاثر

ما أكثر نِعَم الله على عباده، وما أقبح نسيانهم لها، وجرأتهم على اقتراف المعاصي! غير آبهين بعقابٍ، ولا راغبين في ثواب.

ولعلَّ من أهمِّ أسباب جرأة العُصاة على المعاصي: نسيانَهم، أو تناسيَهم ما رتّب اللهُ عليها من عقاب شديد العذاب، وطمعهم في الجنة دون الحساب.

ولو أنَّك أدخلت إنساناً مكاناً واسعاً، فيه كل ما تطلبه نفوس العصاة من آثام، وفيه غرفة قريبة تتأجج بنار مستعرة، يكاد لهيبها يقتل من بعيد. وقلت له: افعل ما شئت من معاصٍ، فإذا انتهيتَ فلا بُدَّ أن تدخلَ هذه الغرفة من النار سنين أو...

فلو عقل لكفَّ عن كل معصية، وامتنع، وآثر العافية والسلامة، ولو جهل وغفل وأقدمَ على ما دعته إليه نفسُه الأمّارة بالسوء؛ لسلك سبيل الهلاك بعد الندامة.

) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﯶ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ ( [الملك: 10-11]

ولو رجعت إلى تفسير سورة التكاثر لرأيت رأيين:

(أ) كان بعضُ العرب لا يكتفي أن يتفاخرَ بالأحياء من عشيرته، بل يذهبُ بالناس إلى المقابر ليتفاخرَ بمن مات من أبائه، وأجداده.

(ب) بقيتم تجمعون الدنيا وحطامها، وتلتهون بزينتها وشهواتها، بعيدين عن التقوى، والصّلاح، والفلاح حتى وافاكم الأجل، واخترمتكم يد المنون، فدفنتم وصحائفكم صفر من كل خير. وهذا ما تميل إليه النفس والعقل؛ لأن حرف ((حتى)) يدخل على نهاية الشيء، والموت نهاية حياة الإنسان في هذه الأرض: ) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ( [المؤمنون: 15-16]

وإنما قال: (زرتم) ولم يقل: دفنتم، إشارة إلى أن الميت في القبر كالزائر الضيف، فهو لا بُدَّ أن يغادرَ إلى مكانٍ آخر، فالضيف يغادرُ إلى بيته، والميت يغادر إلى مثواه ومستقره يوم الدَّين إلى نعيمٍ أو جحيم، فالمقبرة وعالم البرزخ دهليز الآخرة.

وجواب لو في السورة محذوف، تقديره: لآمنتم واستقمتم، وإلا فو الله لترونَّ الجحيم بأعينكم يوم الدِّين، ثم تصلونها نادمين.

) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96) ( [الواقعة: 92-96]

كما لو قلت لكسولٍ: لو عقلت لأدركت عاقبة الكسل الوخيمة فدرست لتنجح، وتؤول إلى عاقبة سليمة، وإلا فو الله لترسبن، ولتكوننّ من الخاسرين النادمين.

فأكثر- يا أخي المؤمن- من الصّالحات؛ فإنَّ وراءها ثواباً ونعيماً مقيماً، وإياك والسيئات؛ فإن وراءها عقاباً وعذاباً أليماً.

ولو أنّا إذا متنا ترِكنا

لكان الموت راحة كلِّ حيّ.

ولكنا إذا متنا بُعِثنا

ونُسألُ بعد ذا عن كل شيّ.

وأعجبني بيتان فرأتهما على قبر:

ألا قل لماشٍ على قبرنا

غفول بأشياء حلت بنا

سيندمُ يوماً لتفريطه

كما قد ندمنا لتفريطنا

ويندم المسيءُ حين يرى شديد العذاب؛ لأنه لم يقلع عن إساءته، ويندم المحسنُ حين يرى عظيم الثواب؛ لأنه لم يزد في حسناته.

ألا ترى إلى التاجر يخسرُ في بضاعته، فيتمنى لو لم يشتر منها شيئاً، فإذا ربح في بضاعةٍ تمنّى لو استكثر منها ليزداد ربحه!

ربّ رُوحي طليقة في سموا تك والجسم موثق مكبول

بعدُ البونُ بين جسمي وروحي جسدي آثم وروحي بتول

وأنا السائل الملحّ ويجلو وحشة الذلّ أنك المسئول

المرض
المرضُ سُنَّةٌ من سنن الله في الكون، يصيب الإنسانَ كما يصيبُ غيره من المخلوقات. يخرجُ الجسم عن مجراه الطبيعي، فإن كان مؤقتاً سُمِّي ((مرضاً حادّاً)) وإن طال سُمِّ ((مرضاً مزمناً))

وسنن الله تعالى في الكون لا عبثَ فيها، وإنما أوجدها الله لحكمٍ ومقاصد، فقد لا يشعر الإنسانُ بنعمة العافية فيمرض، ويقاسي آلام المرض وآثاره، فيخرج منه حريصاً على العافية، محافظاً على قواعد الصحة، متجنباً ما يضره.

والأمراض الخفية تكسبُ الجسم مناعةً ضد الأمراض الشديد واختلاطها.

وقد يكون المرضُ تقدمةً لانتهاء الأجل، ينبِّه الإنسان الغافل فيستدرك أمره بتوبة نصوح، وعمل صالح؛ إذ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: 185] وهو على أية حالٍ لا يخلو من ثواب، ورفع لدرجات المريض الصابر، وفيه عبرةٌ لمن صبر وعقل.

وسنتناول فيه وعنه الأمور الآتية:

(1) التداوي: فهو واجبٌ على المريض؛ لقوله تعالى: ) خُذُوا حِذْرَكُمْ ( [النساء: 71]

وقوله: ) وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ( [البقرة: 195]

وقوله: ) وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ( [النساء: 29]

ولا شك أن ترك التداوي، وإهمال المريض جسده يأكله المرض، نوعٌ من إلقاء الإنسان جسده إلى التهلكة، وإهمال للحذر، فهو أشبه ما يكون بالانتحار، وهو من الكبائر.

وقد ورد في صحيح مسلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا عباد الله تداووا)).

وعند أبي داود قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواءً فتداووا ولا تداووا بحرام))

أما الحديث القائل: ((إن سبعين ألفاً من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب)) رواه أحمد والبخاري ومسلم.

وبيَّن أنهم الذين لا يرقون، ولا يسترقون، ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون)) فهو دعوةٌ ضمنية واضحة بطريق الإشارة إلى وجوب التداوي، وعدم الاكتفاء بالرقية- دعاء الصالحين- والكي الذي لا يغني في أكثر الأمراض، وكانوا يكتفون به في الجاهلية.

والإسلام يدعو المريض وأهله إلى الدواء- التداوي عند طبيب حاذقٍ مخلص- والدعاء وهو أن يطلبوا من الله الشفاء، وأن يُلهم الطبيب التشخيصَ السَّليم، والدواء الناجح- والعطاء للقادر عليه- وهو التصدُّقُ بشيءٍ من المال على المحتاجين- ومَن بادر ربَّه بالخير بادره بالإجابة والعافية.

(2) الحجر الصحي: وهو من أهمِّ أساليب الطب في القرن العشرين منعاً للعدوى. وقد ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ((إذا سمعتم بالطاعون في أرضٍ فلا تدخلوها، وإذا كنتم فيها فلا تخرجوا منها)) روه البخاري ومسلم.

ويقاس على الطاعون كلّ مرضٍ مُعدٍ خطير؛ ولذا فقد أمرنا صلى الله عليه وسلم أن نفرَّ من المجذومين كما نفر من أي خطرٍ محقّق، فقال كما في البخاري: ((فرّ مِن المجذوم فرارك من الأسد))

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا عدوى ولا طير ولا هامة ولا صفر ولا غول)) رواه أحمد وأبو داود.

فالمعنى: لا عدوى مؤثرة بنفسها، بل بإرادة الله، أو لا عدوى جائزة. وإذا عرفنا أن ((لا)) نافية للجنس تعمل عمل إنّ، خبرها محذوف، والتقدير: لا عدوى مؤثرة بنفسها، أو: لا عدوى جائزة، أدركنا المرادَ من الحديث. ومما يؤيِّد هذا أن الحديث يدعو إلى تحريم ما كان عليه العرب في جاهليتهم من أوهام وخرافات.

فقد حرَّم ((الطيرة)) وهي التشاؤم من حركة الطير واتجاهه، فإن طار يساراً تشاءموا، وأحجموا عن العمل، وقال: إذا تطيرّت فامض، فالخير وضده من الله تعالى.

((والهامة)) أعلى الشيء، كانوا يعتقدوا أنَّ روحَ القتيل تتحوَّلُ إلى فراشةٍ تطيرُ، وتحوم فوق قبره تنادي: اسقوني اسقوني، أي: من دم القاتل، لا تهدأ، او تذهب حتى يقتل القاتل. ومنها قول الشاعر مهدّداً:

يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي

أضربك حتى تقول الهامةُ: اسقوني

وفي هذه الخرافة دعوةٌ للثأر والانتقام، جاء الإسلامُ بخلاف ذلك، ودعا إلى التسامح والوئام.

أمَّا ((الغول)) فقد كانوا يعتقدون أنه من جنس الشياطين، يتراءى لناس فيضلهم عن الطريق ويهلكهم، فنهاهم عن هذا مُبيّناً أن لا أصلَ له.

وهكذا رأينا هذا الحديث الشَّريف يحرّر العقولَ والنفوس والقلوب من الخرافات، والحقد، والضرر، وحبّ الثأر، ويبنيها على الحقائق، والتعقيل، والتفكير السَّديد، والوداد. ولذا فقد شاع عند المسلمين أن الغولَ من المستحيلات.

ومن طريف ما ذكرو اعن الشاعر أبي السعود مراد- رحمه الله- أنه دُعي إلى وليمةٍ عند الأمير سعيد الجزائري، وكان يحبُّ الكوسى المحشوَّ باللحم الكثير والرز القليل، فمازحوه، ووضعوا أمامه الكوسى خالياً من اللحم، فقال مرتجلاً:

زعموا بأن المستحيل ثلاثةٌ وأنا الذي ربعتها بمزيد

الغول والعنقاء والخلّ الوفي واللحم في محشو الأمير سعيد

((العنقاء)): طائر متوهم، لا وجود له، أما الخل الوفي فهو موجود، ولكنه قليل، وعدّوه مستحيلاً لندرته. ونحن نقول: من عرف الله الخالق، وعبده بصدق، أخلص لخلقه، وكان وفياً، ونراه كثيراً لا قليلاً، ونكره التشاؤم.

فضحك الجميع، واعتذروا له، وقدموا له ما يحب.

ولقد حثَّ الإسلامُ العلماءَ على اكتشاف الأدوية؛ لتسعدَ البشريةُ بالعافية، وتكافح الأمراض في مهدها قبل أن يستفحلَ أمرُها، وهذا لا يكونُ إلا طريق العلم النافع.

وفي الحديث الشريف: ((من سلك طريفاً يبتغي به علماً نافعاً يسرّ الله له طريقاً إلى الجنة)) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه.

ولا شكَّ أن اكتشاف الدَّواء لأي مرضٍ علم نافع، يُثاب عليه صاحبه؛ إذا أخلص النيةَ لله تعالى:

سورة [العنكبوت الآية 69] ) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ( أخذاً بمفهوم الجهاد العام.

وقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم في التداوي ألا نكره مريضاً على الطعام والشراب؛ فإنَّ من فضل الله تعالى أنه فطر الله تعالى أنه فطر المريض أن يمتنع عن الطعام في كثيرٍ من الأمراض، مقاومةً للمرض، وتعجيلاً للشفاء.

قال الحارث بن كلدة طبيب العرب:

المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء.

وربما سبَّبَ إكراهُه على الطعام أو الشراب غضبَه، فيزداد ألمه ومرضه، والطبُّ الحديث يستعمل ((السيروم)) عوضاً عن الطعام والشراب فيغني.

وقد وَرَدَ في البخاري عن عائشة- رضي الله عنها- أن الرسول صلى الله عليه وسلم مرض، فجعلت تلحّ عليه بطعام معين، فأشار إليها ألا تفعل. وهو مبدأٌ عامّ في منع الناس من أذى المريض مادّياً ونفسيّاً.

ومن رحمة الله بالمريض أنه جعل للمرض أعراضاً وعلامات كثيرة، تنبّهه، فيسارع لمراجعة الطبيب قبل تفاقم المرض، كالألم، والحرارة، وسيلان الأنف، و... وما أجمل الدعاء إلى جانب الدواء!

أخرج الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ((اللهم ربّ الناس! أذهب البأس، واشفِ أنت الشافي- لا شفاء إلا شفاؤك- شفاءً لا يغادر سقماً))
avatar
abrahim
مشرف
مشرف

الجنس : ذكر
الابراج : السرطان
عدد المساهمات : 54
نقاط : 3125
السٌّمعَة : 40
تاريخ التسجيل : 24/07/2011
العمر : 41

رد: رحلة الحياة - الإنسان بين العمل والأمل والأجل

مُساهمة من طرف abrahim في السبت 19 مايو 2012 - 11:59

(3) عيادة المريض: أي: زيارته وهي حقٌ من حقوق المريض على أهله، وأصحابه، وأحبابه. فقد ورد في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((من حقّ المسلم على المسلم عيادة المريض))

وأخرج البخاري: ((أطعموا الجائع، وفكوا العلي- الأسير- وعودوا المريض))

ومن مستلزمات هذه الزِّيارة إحضار الطبيب له عند الحاجة، وقضاء حوائجه، أو: حوائج أسرته إن لم يكن لهم مَن يقومُ بذلك غيره.

وإذا أراد الزائر رؤية المريض، فعليه أن يختارَ الوقت المناسب؛ الذي لا إزعاجَ، ولا إحراجَ فيه للمريض، ولا لأهله، وأن يتحدّث بما فيه خير، كأن يطعمه في الحياة، ويبشّره بالشفاء العاجل، ويذكر له أشباهه الذين شُفوا من ذلك المرض، ويدعو له بكل خير.

فقد أخرج الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا دخلتم على المريض فنفسوا له؛ فإنّ ذلك لا يردّ شيئاً، وهو يطيّبُ نفس المريض))

((إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم- أي: زاره في مرضه- ما يزال في ثمرة الجنة))

وورد عند البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم زار مريضاً أصيب بالحمى، فخفف عنه قائلاً: ((طهور إن شاء الله)).

أي: أسأل الله لك العافية من ذنوب والمرض.

وكان صلى الله عليه وسلم يضعُ يده الشريفة على جبهة المريض، أو صدره، ويدعو له بالشفاء، وهو نوعٌ من الطبّ النفسي الموافق لقوله صلى الله عليه وسلم: ((بشِّروا ولا تنفّروا، ويَسّروا ولا تعسّروا)) رواه أحمد والبخاري ومسلم.

ومن أدب الزيارة ألا يطيلَ الزائرُ المكثَ عند المريض؛ كيلا يثقل عليه، ولاسيما إن كان ذلك بإرشاد الطبيب، فإن مَنَعَ الطبيبُ زيارةَ المريض، أو التحدّث معه، فيجبُ الكفّ عن ذلك: وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [النور: 28]

والمؤمن المسلم هينٌ لينٌ، لا يظلم.

ومن طريف ما ذكِر في الحمى، وهي مكفرةٌ للذنوب، أنَّ شاعراً أصيَب بها فحرص عليها استزادةً في الثواب، وقال:

زارت مكفرةُ الذنوب وودّعت أهلاً بها من زائرٍ ومودّع

قالت وقد عزمت على ترحالها : ماذا تريد؟ فقلت: ألا تقلعي

فعجب منه صديق له شاعر، وقال رادّاً عليه:

زارت مكفرةُ الذنوب وودّعت أهلاً بها من زائرٍ ومودّع

قالت وقد عزمت على ترحالها : ماذا تريد؟ فقلت: ألا ترجعي

وهذا هو الصوابُ، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ((وسلوا الله العافية)) رواه أحمد والترمذي والنسائي في عمل اليوم والليلة.

(4) عبادة المريض: رخصّ الإسلامُ للمريض ما لم يرخّص لغيره، انطلاقاً من قوله تعالى: ) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ( [البقرة: 286] فخفّف عنه، وعطف عليه، فسمح له بالصلاة جالساً، أو مضطجعاً، أو إيماءً برأسه، وعينيه حسب استطاعته، وأن يختارَ من القرآن ما تيسّر له منه حسب وسعه، فإن عجز عن النطق ذكر ذلك في قلبه.

ولا يحرمه مرضه من أن يكون إماماً يصلي بالناس جالساً كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم آخر حياته.

جاء عند البخاري قوله صلى الله عليه وسلم: ((صلّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب))

كما ورد: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً، وصلى خلفه رجال قياماً. وهو شاهدٌ نحوي على جواز ورود الحال- قياماً- من النكرة- رجال- وهو نادر لأنَّ هذه النكرة بمقام المعرفة، أي: بعض الصحابة الكرام.

والإسلام يسمحُ للمريض أن يفطرَ في رمضان، وعليه قضاء عدة من أيام بعد العيد تساوي ما أفطره من الأيام، وله أن يتابع بينها أو يفرّق. هذا إن كان مرضه مؤقتاً يُرجى برؤه، فإن كان مزمناً لا يُرجى برؤه، أو كان يضرّ معه الصوم بشهادة طبيب مؤمن، مسلم، موثوق، أفطر، وعليه فدية، وهي: إطعام مسكين عن كل يوم وجبتين تكفيانه لفطوره وسحوره.

كما يسمح للحاجّ المريض في رأسه أن يحلقَ رأسه وهو محرم لحج أو عمرة، وعليه فديةٌ، وهي على التخيير، فإما أن يصوم ثلاثة أيام، أو أن يطعمَ ستة مساكين، أو أن يذبح شاةً للفقراء، أخذاً من قوله تعالى في سورة [البقرة الآية: 196] وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ

أي: فمن كان منكم مريضاً، أو به أذىً من رأسه فحلق رأسه، فعليه فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك، ويًقاس عليه أيُّ أذىً آخر كأذى الفخذ لمن يُصاب بألم فيه وجروح لكثرة التعرق يمنعه من المشي، ومتابعة المناسك؛ فيلبس التُبَّان- اللباس الداخلي- وعليه فدية.

ولقد أوجب الإسلامُ الجهادَ في سبيل الله على ذوي الكفاءة، والقابلية البدنية والعقلية، وعفا عن المرضى، والضعفاء، ومَن لا يستطيع القتال لعلة فيه تقعده عن الجهاد.

ففي سورة التوبة [الآية: 91] لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

وفي سورة الفتح [الآية: 17] ) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ (

كما رخّص الإسلامُ للمريض بالجمع بين صلاتي الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في الحضر، تيسيراً عليه، ورَفعنا للحرج عنه.

وكُتُب الفقه فيها رصيدٌ كبير من التخفيف والتيسير، اكتفينا بما ذكرنا لئلا نطيل.

(5) ثواب المريض: ادّخر الله تعالى للمريض أجراً عظيماً إن تناول الدواء، وصبر ورجا من الله الشفاء.

والأحاديث في ذلك كثيرة، نذكر منها: ((ما من مصيبة تصيب المسلم ولا وَصب- مرض- إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشالكها)) رواه البخاري ومسلم.

والصبر هنا عزيمةٌ، والعزمُ قوةٌ عظيمة تساعدُ المريضَ على مرضه، وقد تعجّل بشفائه بإذن الله تعالى وفضله، وكلما زاد الألمُ زاد الأجرُ، حتى تكتب الجنة للمريض الصابر؛ الذي طال مرضُه، أو دام حتى وفاته، فلم يجزع للشر، ولم يمنع خيراً، ولم يفقد صبراً.

وقد شبَّه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن بالنبتة الطرّية، يعرض للمصائب،ولكنه يجابهها بشجاعةٍ وصبر، على أملٍ كبير بما أعدَّ اللهُ له من ثواب وأجر.

قال صلى الله عليه وسلم: ((عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صَبرَ فكان خيراً له)) رواه البيهقي في شعب الإيمان والطيالسي في مسنده.

فجوابه مع السراء الشكر، ومع الضراء الصبر، كما أفاد بذلك جوابُ الشرط في الحديث الشريف، فالمؤمن دائماً بين شكر وصبر، شاكر في السراء، صابر في الضراء، مؤثر غيره على نفسه عند توفر النعماء، لا يزيدُ عند شدة المرض في البأساء والبؤس على قوله: ((اللهم إن كانت الحياة خيراً لي فأحيني وإن كان لممات خيراً لي فأمتني)) رواه البخاري ومسلم.

وهو بذلك على أية حال مستسلم لأمر الله، راضٍ بما قدر له أو عليه.

وقد رخَّص الدينُ للمريض أن يتأوه إن وجد في ذلك راحة نفسية، أو يذكر شيئاً من ألمه لزائريه، طمعاً منهم بدعاء صالح، خشية أن يكبت ذلك فيؤذيه، وأفضل من ذلك أن يبث حزنه لله وحده، مثنياً على ربّه.

وفي الحديث القدسي: ((من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين)) رواه الترمذي والدرامي.

وفي القرآن الكريم أمثلة لذلك، فهذا أيوب- عليه السلام- يتحمل آلامه، ويصبر، ويبث ذلك لربه ذاكراً، مفكراً، مثنياً: ) أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ( [الأنبياء: ٨٣ – ٨٤] فقصته درسٌ وذكرى للمؤمنين العابدين كي يقلدوه إذا مرضوا في صبره، وذكره لربه، وثنائه عليه، وهو يبث حزنه له وحده- جل وعلا-.

ويونس- عليه السلام- ينادي ربه وهو في بطن الحوت مثنياً عليه، مقرّاً بتقصيره: )وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ( [الأنبياء: ٨٧ – ٨٨]

وذكريا- عليه السلام- نادى ربه مثنياً عليه، طالباً منه الذرية الصالحة وامرأته عاقر، فاستجاب له، ووهبه يحيى- عليه السلام- على كبر: ) وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ( [الأنبياء: ٨٩ – ٩٠]

فمن اقتدى بالأنبياء في إخلاصهم، وصبرهم، وصدقهم، وحسن ثنائهم على خالقهم، نال من ربه في دعائه بعضاً مما نالوه من: تلبية، وفضل، وسرعة إجابة.

(6) معالجة المريض: جعل الإسلامُ في عنق الطبيب المسلم معالجة المرضى بصدقٍ وإخلاص، يأخذ أجراً معقولاً من غنيهم، ويعالج فقيرهم مجاناً منة. وحمله أمانة مهنته ليسعى إلى معالجة المرضى دون إبطاء، ولاسيما في حال الخطر المظنون أو المحقق، ويقدِّم العلاج إن تيسر لديه.

وما أكثر الأطباء المخلصين الرحماء الطيبين! جزاهم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء!

ومعالجة المريض الفقير واجبٌ في عنق الأمة، تعالجه بما يتوفر لديها من أطباء مهرة وأجهزة صالحة، فإن عجزت أرسلته إلى بلدٍ يتوفر فيه لطب والعلاج، حيث يؤمل شفاؤه، وعليها أن تختار للمرضى أمهر الأطباء.

فقد أخرج الإمام مالك- رحمه الله- أن النبي صلى الله عليه وسلم زار مريضاً وطلب له الطبيب، فحضر طبيبان فقال: ((أيكما أطبُّ؟)) أي: أمهر. واختار له الأفضل منهما، والأعلم في شؤون الطب.

ودراسة الطب، وتهيئة أطباء مهرة- كدراسه كل العلوم الكونية النافعة- فرضُ كفايةٍ على المسلمين، يجب توفيره وإعداده، فإذا قام به بعضهم سقط الإثم عن الباقين، وإذا أهمله الجميع أثموا، وأصابهم وبال إهمالهم وجهلهم.

ولله سننٌ في الكون لا يحابي فيها أحداً؛ من فهمها وأحسن استخدامها سعد، وتقدم، وفاز، ومن جهلها، وأهملها شقي، وتأخر، وخسر، فكان من النادمين. فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر: ٤٣]

ويجب أن تؤمن للمريض راتبٌ في دور نقاهته بقدر الأيام التي تمنحها له اللجان الطبية المنصفة، وهذا ما كان يجري فعلاً في عهد عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- والخلافة العباسية.

ولقد حرَّم الإسلام قتل المريض الذي لا يرجى برؤه، أو: كان ميؤوساً منه، كما حرم إهماله وتركه دون علاج: ) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ( [الأنعام: ١٥١] فقد يكون في شيءٍ من آلامه في خريف حياته تكفيرٌ لذنوبه، أو رفع لدرجاته، أو تأديبٌ له على ما اقترف من سوء أو إجرامٍ في شبابه أو كهولته؛ ليعتبر بذلك من كان له قلب أو بصر أو بصيرة، فألقى السمع وهو شهيد. والله يقول: ) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا([التوبة: ٥١] ولم يقل: علينا، فلطالما تمخضت المصائب عن خير وإصلاح للفرد والأمة والبشرية لمن عقل، واتعظ، وفكر، وتدبر.

والإنسان بناء الله ويل لمن هدمه، أو قتله ظلماً وعدواناً.

وما يدرينا- والأعمارُ بيد الله تعالى وحده- أن يمتد العمر بالذي قرَّر الأطباء أنه ميؤوس منه، أو أن أجله بين عشية وضحاها.

ولقد شهدت في سفري الأخير إلى كندا وأمريكا- لإلقاء محاضرات وخطب- قصَّة امرأةٍ أصابها نزفٌ شديد خطير إثر عملية إجهاض، كان ضرورياً برأي الطبيب، وحصل تأخيرٌ عفوي في إنقاذها بالدم اللازم، فانخفض ضغطها حتى كاد ينعدم، وتعطلت حواسها، واعتراها سباتٌ عميق طويل، امتدَّ أياماً على الرغم من بذل جميع الجهود لإنقاذها، فنصح الأطباء زوجها أن يوقفوا عنها العلاج لتموت، وترتاح؛ إذ لا أمل من حياتها، ولو بقيت فسوف تعيش معطلة الحواس، عديمة الحركة، فرفض زوجها ذلك، وأصرَّ على متابعة العلاج، وصار المسلمون الذين عرفوا قصتها يدعون لها بالشفاء يوم الجمعة، وفي الصلوات الخمس، واستمر العلاج بحمد الله، وكنت أتصل من أمريكا إلى كندا- مونتريال- أطمئن عليها، فطمأنوني أخيراً أنها في تحسن ملحوظ وسريع، ثم علمت من أقاربها وأنا في بلدي في دمشق الحبيبة بعد عودتي إليها أنها شفيت شفاءً تاماً، لم يغادر سقماً بفضل الله وعونه، وهي الآن- بحمد الله- تمارس حياتها الطبيعية كاملة الحواس، قوية الحركة بين أسرتها- زوجها وأولادها- وكأن شيئاً من الألم لم ينزل بها يوماً، والله على كل شيء قدير.

وفي هذا درسٌ لكلِّ بلدٍ في العالم قرّر، أو يريد أن يقرر القضاء على المريض الميؤوس منه؛ ففضل الله كبير، والأعمار بيده، والغيب في قبضته، وعلى البشر أن يبذلوا جهدهم لإنقاذ المريض ما وسعهم، فإن فرّطوا أجرموا، وأثموا، وكان لهم عند الله عذاب أليم، ولا يقع أولاً وأخيراً إلا ما قدَّر الله وقضى، وعلى الله قصد السبيل.
avatar
abrahim
مشرف
مشرف

الجنس : ذكر
الابراج : السرطان
عدد المساهمات : 54
نقاط : 3125
السٌّمعَة : 40
تاريخ التسجيل : 24/07/2011
العمر : 41

رد: رحلة الحياة - الإنسان بين العمل والأمل والأجل

مُساهمة من طرف abrahim في السبت 19 مايو 2012 - 12:01





الموت
الموت سرٌّ رهيبٌ، قهر الله به عباده، يقلق الإنسان؛ لأنه نهاية حياته الفانية على وجه الأرض، وهو حقيقة واقعة لا مفرَّ منها؛ إذ كل نفسٍ ذائقة الموت.

ولذ فقد أخذ الموت حيزاً من تفكير ودراسة الفلاسفة، والمفكرين، والباحثين، وحرّك مشاعرَ الشعراء والأدباء، ووقف الجميع في ذهولٍ أمام هذا السِّرِّ المجهول.

ومع هذا فإننا نجدُ نماذج غريبة من طبائع الناس تجاه الموت؛ فهذا يعرض نفسه للموت من أجل أمرٍ سخيف، وذاك ينتحر لأن الحياة لم ترق له، أو الموت حبيب، أو فنان! أو يريد أن يتحمل مصاعبها ومسؤولياتها، وهو فعل الضالين، التائهين، الشاردين؛ الذين لم يعرفوا وظيفة الإنسان في الحياة، وخلافته في الأرض، ولم خلق؟

وإلى أين يسير؟

والمؤمن الحق الصالح لا يجود بنفسه إلا في ساحة الجهاد في سبيل الله تعالى، وإرضائه، وإعلاء كلمته، ونصرة المظلوم، وحماية أخيه المؤمن من أن يفتن في دينٍ، أو نفسٍ، أو عرض، أو مال.

وهذا فعل الصالحين؛ الذين عرفوا، وأيقنوا أنهم خلفاء، مستخلفون في الأرض لإعمارها بالإيمان، والتوحيد، والحق، والفضائل، والمكرمات.

وما كان سبباً ممتازاً للعيش، فهو سببٌ ممتازٌ للتضحية، والفداء.
وعقيدة الإنسان هي التي توجهه، وسلوكه أثرٌ من آثار عقيدته، فإن صلحت صلح سلوكه، وإن كانت عقيدة فاسدة ساء سلوكه.


فطرفة العبد شاعر جاهلي، فسد تصوره للحياة، والكون، والإنسان، فسار وراء غرائزه، وشهواته حتى الثمالة، ورأى أنه ما دام سيلقى الموت، شاء أم أبى، فليكرع من الشهوات ما وسعه؛ كيلا تفوته، ومما قاله:

ألا أيُّهذا الزاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أن مخلدي

فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي فدعني أبادرها بما ملكت يدي

والزهاوي في القرن العشرين قال مثل ذلك:

لا تقف في وجه لذاتك مكتوف اليدين

أنت لا تأتي إلى دنياك هذي مرتين

ويرى زهير بن أبي سلمى الموت قاتلاً أعمى، يخبط خبط ناقة عشواء لا ترى ليلاً:

رأيت المنايا خبط عشواء من تصب

تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم

وأن الهرب من الموت طريقٌ إليه:

ومن هاب أسباب المنايا ينلنه

وإن يرق أسباب السماء بسلم

ويرى عمرو بن كلثوم أن الموت مقدرٌ على الإنسان، وله وقت معلوم، فقال:

وأنا سوف تدركنا المنايا مقدرة لنا ومقدرينا

وفي القرن العشرين من يعيش فكر بعض أهل الجاهلية الحديثة، فيقول، أو يغني:
قدرٌ أحمق الخطا سحقت هامتي خطاه


ولا يقود إلى مثل هذا إلا فساد العقيدة، وزيغ الفكر، وتفلت السلوك من مقود الفضائل، وسوء الطويّة.

فقدرُ الله عادل، فإن عاقب فعدل، وإن عفا ففضل.

على أن زهير بن أبي سلمى كان خيراً من جهال القرن العشرين، ففي شعره إيمانٌ بيوم القيامة، وتحذيرٌ من عقاب الله في الدنيا والآخرة، كقوله:



فلا تكتمن الله ما في صدروكم ليخفى ومهما يكتم الله يعلم

يؤخر فيوضع في كتابٍ فيدخر ليوم الحساب أو يعجل فينقم

وأبو نواس- شاعر اللهو المحرم- لم يجد بُدّاً من الاعتراف بالموت، والمصير، والحساب، فأظهر الندم في أواخر عمره على ما فرّط في جنب الله تعالى، وقال شعراً في الوعظ:

يا نفس خافي الله واتئدي واسعي إليه سعي مجتهد

يا طالب الدُّنيا لتجمعها جمحت بك الآمال فاقتصد

ونراك تركب ظهر مطمعة تطوي بها بلداً إلى بلد

أو ما ترى الآجال راصدة لتحول بين الرّوح والجسد؟!

وإذا المنية أممت أحداً لم تنصرف عنه ولم تحد

منتك نفسك أن تتوب غداً أو ما تخاف الموت قبل غد؟!

الموت حقٌّ فاستعد له قبل الرَّحيل بأفضل العدد

ما حجتي يوم الحساب إذا شهدت علي بما جنيت يدي؟!

وفي القرآن الكريم ورد ذكر الموت مجزياً تارة، وحقيقياً تارة أخرى.

ومن أمثلة الموت المجازي: ) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ( [النحل: ٦٥]

) إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( [فاطر: ٢٢]

ومن أمثلة الموت الحقيقي كثيرة، منها:

) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ( [النساء: ٧٨]

) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ( [الجمعة: ٨]

وله سكرات شديدة: ) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ( [ق: ١٩]

والناس قسمان:

(1) قسم يخشى الموت، ويخافه؛ لقلة زاده من الصالحات، وفساد صحائفه بالسيئات؛ لأنه مقبلٌ على عذاب شديد.

(2) قسم لا يخشاه، ولا يهابه؛ لصلاحه، وكثرة زاده في الطاعات، والحسنات، والمكرمات، فهذا عليٌّ- كرم الله وجهه- يقول: والله! لا أبالي أدخلت إلى الموت؛ أم جاء الموت إلي.

وهذا بلالٌ- مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم- يقول وهو يحتضر ويبتسم: غداً ألقى الأحبة محمداً صلى الله عليه وسلم وصحبه.

والمؤمن لا يطلب الموت، ولا يستعجله، فكل لحظة من حياته فرصة لعملٍ جديد صالح. وفي الحديث الشريف: ((لا تتمنوا الموت، وسلوا الله العافية)) رواه أحمد وابن ماجه.

ويدعو بالخير لا بالشر، قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تدعوا على أنفسكم، ولا على أموالكم، ولا على أولادكم، أن تصيبوا ساعة إجابة، فيستجاب لكم)) رواه مسلم.

أي:خشية أن يوافق دعاؤكم ساعة إجابة فتندموا، ولات حين مناص.

فإذا ضاقت الدُّنيا، بالمؤمن لمرضٍ عضال مُزمن، أقض مضجعه، وشل حركته، وحرمه النوم، وصعب تحمله، جاز له أن يقول كما مر في الحديث: ((اللهم إن كانت الحياة خيراً لي فأحيني، وإن كان الموت خيراً فأمتني)) سبق تخريجه.

ويعجبني قول ابن سيرين في الرَّدَّ على من قال: أحب الفقر، والمرض، والموت، فأجابه: أما أنا فأحبُّ الغنى وأكره الفقر؛ لأنَّ اليد العليا خير من اليد السفلى، والعنيُّ أنفع لنفسه، وأهله، ومجتمعه. والرسول صلى الله عليه وسلم استعاذ بالله من الكفر، والفقر. وأحب العافية، وأكره المرض؛ لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((سلوا الله العافية)).

والصحيح يؤدي الطاعات كاملة بقوة، وهو أقدر على الإنتاج والعطاء من المريض. أمَّا الموت فلا أحبُّه ولا أكرهه، وإنما أدعه لخالقه ومقدرة يأمر به متى شاء. والرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تتمنوا الموت)) سبق تخريجه.

وقال : ((خيركم من طال عمره، وحسن عمله)) رواه أحمد.

وكلام ابن سيرين هذا- رحمه الله- وهو من التابعين، يدلُّ على فهمٍ عميق للإسلام، وروحه، وأحكامه، ومقاصده.

والإنسان خلق ليبقى، وهو يمر بمراحل من حياته وهي:

(1) في عالم الذر.

(2) في صلب أبيه.

(3) في رحم أمه.

(4) في الدنيا.

(5) في القبر- مرحلة البرزخ-.

(6) في الآخرة حيث العقاب أو الثواب.

وقد ورد عن عمر بن عبد العزيز- رحمه الله- قوله: خلق الناس للبقاء، وإنما ينقلون بالموت من دار إلى دار. أي: فإذا فني جسده بقيت روحه ونفسه كما رأيت في أول البحث. وأبو العلاء المعري أدرك هذا، فقال:

خلق الناس للبقاء فضلت أمةٌ يحسبونهم للنفاد

إنما ينقلون من دار أعما لٍ إلى دار شقوةٍ أو رشادِ

وما أجمل أن يبقى ذكره الحسن، وسمعته الطيبة على ألسنة أهله، ومن يحبه، أو يعرفه، يدعون له بالرحمة، والمغفرة، وحسن الثواب! وما أجمل قول أحمد شوقي في هذا:

دقات قلب المرء قائلةٌ له:

إنَّ الحياة دقائقٌ وثوان

فاحفظ لنفسك بعد موتك ذكرها

فالذكر للإنسان عمرٌ ثان

واصبر على نعمى الحياة وبؤسها

نعمى الحياة وبؤسها سيّان

قال تعالى في سورة [الحج: 66] ) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (

وأما قوله تعالى في سورة [غافر: 11]

) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ فهو دعمٌ وتفسير لقوله تعالى في سورة [البقرة: 28] كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

فالمقصود بالموت فناء الجسد، أما الروح والنفس فلا تموتان.

وإليك في تفسير الآيتين البيان:

في ذلك رأيان:

(1) كنتم أمواتاً في عالم الذر، وصُلب آبائكم؛ إذ كل ما عدا الوجود الحقيقي موت، ثم أحياكم في الدنيا، ثم تموتون فيها بعد انقضاء الأجل، ثم يحييكم في الآخرة.

(2) متم في الدنيا فأحياكم في القبر لسؤال الملكين، ثم يميتكم ثانية فيه ليحييكم ثانية يوم الدِّين.

وينفرد الشهيد في سبيل الله بأن روحه تصعدُ إلى الجنة فوراً، فتوضَعُ في حواصل الطير؛ لتتخذ قالباً مادياً، فيشعر الشهيد كأنه يتنعّم فعلاً.

وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: ١٦٩]

ولكل من الرأيين وجهة نظر، ولكن الذي ينبغي أن نركز عليه هو أن الموتة في الدنيا فيها سكرات الموت، ولعلها هي التي أشار إليها الله تعالى في قرآنه الكريم، متحدثاً عن المؤمنين المتقين؛ الذين يعيشون يوم الدِّين في مقام أمين (أي: في الجنة)، ومبيناً أنهم: لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [الدخان: ٥٦]، أي: لا يذوقون فيها سكرات الموت إلا في الموتة الأولى، أو: لا يذوقون ذلك بعد الموتة الأولى، وهذا يشير إلى أن أهلَ الجحيم يذوقون سكرات الموت في كلِّ لحظة، لا تنفكُ عنهم، فهم بين حياةٍ وموت، فلا يحيون حياةً هانئة، ولا يموتون فيرتاحوا: ) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى ( [طه: ٧٤]

وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى [الأعلى: ١١ – ١٣]

ولعلَّ مما يرجح الرأي الثاني في تفسير الآيتين أن الله تعالى وصف الموتَ في الدنيا بالموتة الأولى، فتكون الثانية في القبر بعد سؤال الملكين، والله أعلم بحقيقتها، وكنهها، وكيفيتها.

ويدلُّ على ذلك الحديث الذي يروي أن الله تعالى يقول للملائكة- في الروح-: ((ثم عادوا بها إلى قبره ليحاسب)) اورده السيوطي في شرح الصدور ص(178). تحقيق: يوسف بديوي.

أي: بعد أن تسجَّل في عليين إن كان من المتقين الأبرار، وفي سجِّين إن كان من الفجار الكفار.

ولا يجوز لنا أن نخوض في الحديث عن عالم البرزخ بأكثر مما وَرَدَ من نصوص صحيحة، وهي قليلةٌ جداً، وأكثر ما يروى لا أصلَ له، وهو عجيب وغريب، ولا أدري كيف يستسيغون روايته ولا سند له، ولا مرجع عند التحقيق؟!

ولا يجوز أن يكون هدف الوعظ تخويف الناس ليبكوا، إنما يجب أن يكون الهدف بيان الحقائق، وعلى الحقائق يبنى الحق، والصدق.
avatar
abrahim
مشرف
مشرف

الجنس : ذكر
الابراج : السرطان
عدد المساهمات : 54
نقاط : 3125
السٌّمعَة : 40
تاريخ التسجيل : 24/07/2011
العمر : 41

رد: رحلة الحياة - الإنسان بين العمل والأمل والأجل

مُساهمة من طرف abrahim في السبت 19 مايو 2012 - 12:03

الوفاة والموت
الوفاة نوعان:

(1) وفاة صغرى، وتكون عند النوم، ولعلَّ من هذا القبيل ما جرى لسيدنا عيسى- عليه السلام- ) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ( [آل عمران: ٥٥]

ويشبه ذلك ما جرى لأهل الكهف حيث لبثوا في كهفهم ثلاثمئة سنين، وازدادوا تسعاً، وهم نائمون، وبما أن النائم يوقظة الصوت، فقد ضرب الله على آذانهم حجاباً يمنع عنهم الصوت في تلك السنين كلها ﭽ فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا ﭼ [الكهف: ١١ – ١٢]

والدليل على أن النوم يسمى وفاة صغرى قوله تعالى:

ﭽ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﭼ [الزمر: ٤٢]

قوله تعالى: ) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ( [الأنعام: ٦٠]

(2) أما الوفاة الكبرى؛ فهي الموت؛ بدليل: ﭽ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ﭼ [الزمر: ٤٢]

فمن مات في الليل وهو نائم، فقد انتقل من وفاة صغرى هي النوم إلى وفاة كبرى هي الموت، كما يفهم من الآية الكريمة السابقة، والله أعلم.

ومن واجب المؤمن أن يصلح حاله في الدنيا مع الخالق والخلق؛ لصلح مآله يوم الدِّين، ويذكر بخيرٍ بعد موته، فيدعى له بالرحمة، والمغفرة.

فمن طريف وجميل ما قرأت في رثاء صالح كريم مفضال قول الشاعر فيه:

قد قلت للرجل المولى غسله هلا تطيع وأنت من نصائحه

جنبه ماءك ثم غسله بما أذرت دموع المجد عند بكائه

وأزل لأنواع الحنوط ونحها عنه وحنطه بطيب ثنائه

ومر الملائكة بحمله شرفاً ألست تراهم بإزائه؟!

لا توه أعناق الرجال بحمله يكفي الذي حملوه من نعمائه

وهذا الرثاء- على الرغم من المبالغة فيه- جميلٌ، يحبُّه القلب، وتستريح إليه الأذن، والنفس.







موقف الغافلين من الموت

في أول سورة الأنبياء: ) اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) ( [الأنبياء: ١ – ٣]

فإذا كان الموت حقاً يفاجئ، ويأتي بغتةً في الغالب، فلم هذه الغفلة؟! وحتام هذا الإعراض عن الله والحق؟!

والناس في غفلاتهم ورحى المنية تطحن

وموقف أكثر الناس من نهايتهم في الدنيا الغفلة عن هذا، وهم بين:

1- كرهٍ للموت.

2- أو خوف منه.

3- أو نسيان!.

ولكلِّمن هذه الثلاثة جانبان، جانب من قبله خير، وآخر يأتي بشر.

وإليك التفصيل:

(1) كراهية الموت:

لكراهية الموت جانبان:

أحدهما يُعدّ من طبيعة الحياة.

والثاني من دنسها.

(1) أما ما يعد من طبيعة الحياة؛ فلأن في الموت فراقاً للأحبة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام يبكون عند فراق الأحبة، ولكن لا يزيدون على دمع العين، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال عند فقده ولده إبراهيم: ((يا إبراهيم! إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولكن لا نقولُ ما يغضب الله تعالى)) رواه أحمد والبخاري ومسلم.

ويمرُّ بعد أن يدفن ولده على جبل أحد فيقول له: ((يا جبل أحد إنك لا تحمل ما أحمل)) أي: من ألم الفراق، والصبر عليه.

ولله درُّ من قال:

ثنتان لو بكت الدماء عليهما عيناي حتى تأذنا بذهاب

لم تبلغ المعشار من حقيهما فقد الشباب وفرقة الأحباب

وورد عن بعض السَّلف الصالح قوله:

عاشروا الناس معاشرة إن غبتم حنوا إليكم، وإذا متم بكوا عليكم، وإن مرضتم احترق القلب منهم والتهب.

ولا تعاشروهم معاشرة إن غبتم قالوا: ذلك تخفيف من الله ورحمة، وإذا متم قالوا: قد أزال الله عنا نقمة، وإن مرضتم قالوا: لعل الأجل قد اقترب.

وأمّا ما يعد من دنس الحياة فهو أن تؤدي كراهية الموت إلى التعليق الشديد بالحياة، ولو على ذل، وضيم، وهوان.

ولا يقيم على ضيم يراد به إلا الأذلان عير الحيّ والوتد

وقد ورد في الحديث الشريف: ((يوشك أن تداعى عليكم الأمم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها )).

قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟

قال: ((لا؛ بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل. ولينزعن الله من قلوب أعدائكم مهابتكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن))

قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟.

قال: ((حب الدنيا، وكراهية الموت)) رواه أحمد وأبو داود.

وواقع المسلمين يشير إلى ذلك.

وقد ذم الله بني إسرائيل لظلمهم، وبعدهم عن الحق، وحبهم للدنيا، وكراهيتهم للموت، فقال:

) قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) (

[البقرة: ٩٤ – ٩٦]

ولذا فقد قال أبو بكر الصديق- رضي الله عنه-: اطلب الموت توهب لك الحياة.

وقال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: يُصاب الجبان في آخر الصف، وينجو مقارع الأبطال.

وقال خالد بن الوليد- رضي الله عنه-: ليس في جسمي موضع إلا وفيه ضربة سيف، أو طعنة رمح أو خنجر، وها أنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء!

وأما قول الشاعر:

من لم يمت بالسيف مات بعيره تعددت الأسباب والموت واحد

فخطأ واضح لأن سبب الموت واحدٌ لا يتعدد، وهو انقضاء الأجل
فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ[النحل:61]

كم مريضٍ قد عاش من بعد يأس بعد موت الطبيب والعواد

قد يصاب القطا فينجو سليماً ويحلُّ البلاءُ بالصيّاد

سئل بعضهم: لم نكره الموت؟ فأجاب: لأنكم عمرتم دنياكم، وخربتم آخرتكم، فكرهتم الانتقال من دار عمرتموها إلى دار خربتموها.

إن المؤمن المسلم العاقل يجب الحياة، ويتفاعل معها في حدود وإطار ما شرع الله ) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ( [القصص: ٧٧]

والآية قدمت ذكر الآخرة على الدنيا؛ لأن الآخرة باقية، والدنيا فانية، والآخرة دار قرار، والدنيا دار مرور.

ولقد قرأت بيتين لشاعر عكس الأمر، فقدم الدنيا على الآخرة قائلاً:

ومن المروءة للفتى أن يبني داراً فاخرة

فإذا أتم بناءها فليبن دار الآخرة

فقلت في نفسي: ومن يضمن لنفسه أن يعيش طويلاً ليحلق بناءهما معاً؟

فكم من فتىً يُمسي ويصبح لاهياً

وقد نُسجت أكفانه وهو لا يدري

ولو أصاب الشاعر لقال:

ومن المروءة للفتى أن يبني دار الآخرة

فإذا أتم بناءها فهناك دارٌ فاخرة

إذ:

لا دارَ للمرء بناءها إلا التي كان قبل الموت يبنيها

فإن بناها بخيرٍ طابَ مسكنُه وإن بناها بشرٍّ خابَ بانيها

والمؤمن المسلم لا يتمنى الموتَ، ولكنه يحب لقاء الله تعالى.

وفي الحديث الشريف: ((من أحبَّ لقاءَ الله أحبَّ الله لقاءه، ومَن كره لقاءَ الله كره الله لقاءه))

فقالت عائشة- رضي الله عنها-: يا رسول الله! كلنا نكره الموت.

فقال لها: ((ليس ذاك، ولكن المؤمن حيث تحضره الوفاة- أي: ويبشر بالجنة وما فيها من نعيم- فيحب لقاء الله فيحب الله لقاءه،والكافر حين تحضره الوفاة- أي: ويرى مصيره إلى النار، وينذر بما فيها من عذاب- فيكره لقاءَ الله فيكره الله لقاءه)) رواه الشيخان.

تزود من حياتك للمعاد وقم لله واجمع خيرَ زاد

ولا تركن إلى الدنيا كثيراً فإنَّ المال يجمعُ للنفاد

أترضى أن تكونَ رفيق قوم لهم زاد وأنت بغير زاد؟!

والميت حين الاحتضار يرى ما لا نرى: ) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ( [ق: ١٩ – ٢٢]

وما العمر إلا ساعة ثم تنقضي ويوم إلى يوم وشهر إلى شهر

مطايا يقربن الجديد إلى البلى وينقلن أحشاءَ الصَّحيح إلى القبر

ويتركن أزواجَ الغيور لغيره ويقسمن ما يحوي البخيل من الوفر
avatar
abrahim
مشرف
مشرف

الجنس : ذكر
الابراج : السرطان
عدد المساهمات : 54
نقاط : 3125
السٌّمعَة : 40
تاريخ التسجيل : 24/07/2011
العمر : 41

رد: رحلة الحياة - الإنسان بين العمل والأمل والأجل

مُساهمة من طرف abrahim في السبت 19 مايو 2012 - 12:05

(2) الخوف من الموت:

أما الخوفُ من الموت فهو غير الكراهية، فقد تحب شيئاً وتخافه.

وله جانبان أيضاً:

l أما جانب الخير فهو: أن يشعر الإنسان بتقصيره، وكثرة ذنوبه وتفريطه، فيخاف الموت؛ لأنه بداية الحساب، ولما يعلم ما سيلقاه بعده من عذاب، وهذا يدعوه إلى التوبة، والاستغفار، والمبادرة إلى الاستقامة، والاستعداد للقاء الله تعالى بالصالحات.

وفي الحديث الشريف: ((لا يتمنين أحدكم الموت فإن كان محسناً فلعله يزداد، وإن كان مسيئاً فلعله يستعيب)) سبق تخريجه.

أي: يتوب، ويصلح حاله.

ولقد كان في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم أخوان: أحدهما صالح، والآخر دون ذلك، فمات الصالحُ، وعاش أخوه بعده أربعين يوماً، ثم مات، فجعل الناسُ يقارنون بينهما، ويمدحون الصالح دون الثاني، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: ((ألم يكن يصلي في تلك الأربعين؟))

قالوا: بلى.

قال: ((وما يدريكم ما بلغت به صلاته؟)) رواه أحمد والحاكم.

فالرسول صلى الله عليه وسلم يريد أن يمنعهم عن ذمّ من مات، وأن يعلمهم أنَّ كلَّ يوم من عمر الإنسان فرصة لرقيٍّ عند الله والناس، وأن أربعين يوماً كافيةٌ أن تلحق الثاني بمقام أخيه، لو أحسن الإخلاص في القول والعمل فيها، واستدرك أمره نادماً، تائباً، معترفاً بذنبه، مقبلاً بصدق على ربّه، غير مصرّ على معصيته.

فذنبٌ يورث ندماً، وذلاً، واستغفاراً، خيرٌ من طاعة تورث استكباراً، وتعالياً، وافتخاراً.

وقديماً تكبّر إبليس على آدم، وعصى ربه بالسجود، مفتخراً بأنه من نار وآدم من طين، ولو عقل وأنصف لأقلع عن ذلك، وامتثل أمر ربِّه.

ولله درّ الأميري القائل:

إبليس شرٌّ كله فتنبهوا وتبصَّروا يا معشر الإنسان

إبليس من نار وآدم طينة والنارُ لا تسمو سموّ الطين

النار تفني ذاتها ومحيطها والطينُ للإنبات والتكوين

والله تعالى يصفُ بني إسرائيل بالخوف من الموت لفراغ صحائفهم من الصالحات، وكثرة فعلهم للسيئات، وادعائهم كذباً أنهم أولياء الله، وخلقه المختارون:

) قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) ([الجمعة: ٦ – ٨]
ورحم الله أبا العتاهية القائل:

خانك الطرفُ الطموح أيها القلبُ الجموح

لدواعي الخير والشرَّ دنو ونزوح

هل لمطلوب بذنب توبةٌ منه نصوح

أحسن الله بنا أنَّ الخطايا لا تفوح

فإذا المستور منا بين برديه فضوح

كم سمعنا بعظيمٍ طويت عنه الكشوح

صاح فيه بنذير صائح الدهر الصدوح

سيصير المرء يوماً جسداً ما فيه روح

بين عيني كلّ حيٍّ علمُ الموت يلوح

كلنا في غفلة والموت يغدو ويروح

نح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح

لتموتن ولو عمرت ما عمر نوح

وأما جانب الشر فهو أن يؤدي الخوف من الموت إلى خداع النفس، وإنكار الآخرة والحساب، فيظنّ أن الموت فناءٌ لا حياة، ولا بقاء، ولا نشور، ولا حساب بعده؛ ولذا فقد أكدَّ الله تعالى في قرآنه الكريم على يوم الدِّين، ووجوب الإيمان به، والاستعداد له، وهدّد من يكفر به: ) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ( [الإسراء: ٩ – ١٠] أي: يبشر المؤمنين الصالحين بنعيمٍ مقيم، وينذر الكافرين بالآخرة بعذاب أليم.

ولا يجحد بالآخرة إلا معاندٌ، و جاهل، أو صاحب هوى.

إنَّ الذين يذبل، وتتساقط أوراقه، ويموت في الخريف، قادرٌ على خلق الإنسان من جديد، ونشره من الأرض ثانية: )وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( [الحج: ٥ – ٧]

إن الذي خلقنا أول مرة من عدم قادر على خلقنا ثانية.

) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( [يس: ٧٨ – ٧٩]

إن الذي جعل من الشجر الأخضر؛ الذي نما على الماء، ناراً يوقدها الناس لمنافع كثيرة، فخلق من الماء ضده، قادرٌ أن يخلق من الفناء حياة وهام ضدّان.

) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) ( فما خلقنا جميعاً، ولا بعثنا من جديد إلا كنفس واحدة.

يقول الخالق: (كن) فيخرج الجميع من أجداثهم إلى ربهم مسرعين.

) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( [يس: ٨٢]

فطوبى لمن أدرك الحق، وآمن به، فنزّه الخالقَ عم كلِّ ما لا يليق به، وسبّح بحمده، ودعاه بأسمائه الحسنى موقناً بعظمته وقدرته؛ ليصلح حاله ويسلم مآله:

) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( [يس: ٨٣]

ورد عن علي- كرّم الله وجهه- أنه جادل بعضَ المنكرين للآخرة بالتي هي أحسن، يريد أن يقنعهم، ويفحمهم بالحقيقة الدامغة، وهو على يقين كامل، وإيمان عال، قال لهم: إن كان الأمرُ كما تزعمون نجوناً ونجوتم، وإن كان كما نعتقد- وهو الحق- نجونا وهلكتم.

والعاقلُ من يحتاط لنفسه، ويسلك سبلَ السلامة.

والشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري أفاد من هذا، فقال يردّ على المنجّمين، وبعض الفلاسفة التائهين:

قال المنجمُ والحكيم كلاهما لا تبعث الأجسام، قلت: إليكما

إن صحَّ قولكما فلست بخاسرٍ أو صحَّ قولي فالخسارُ عليكما

وهؤلاء الفلاسفة التائهون:

(1) يقولون بقدم العالم مع أنه حادث، والله وحده التقديم.

(2) يدعون أن الله تعالى يعلم الكلي لا الجزئي من الأشياء والأمور، مع أنه سبحانه بكل شيء عليم.

(3) ينكرون حشر الأجساد من جديد.

بثلاثة كفر الفلاسفة العدا إذ أنكروها وهي حقاً مثبتة

علم بجزئي حدوث عوالم حشر لأجسادٍ وكانت ميتة

ورحم الله من قال:

هب الحشرَ لم تأتنا رسله وجامحة النار لم تضرم

أليس من الواجب المستحـ قّ حياء العباد من المنعم؟!



(3) نسيان الموت:

ولهذا جانبان أيضاً:

أما جانب الخير، فهو مما أراد الله تعالى؛ ليحصل عمران هذه الأرض، فلو أنَّ الإنسان ذكر الموت في كلِّ لحظةٍ، لسيطرة اليأس على نفسه، فأقعده عن العلم، والعمل، والبنيان، والعمران، والصناعة، والزراعة، والتجارة.

قد يفتك اليأس أحياناً بصاحبه لا تيأسنّ فإن الفارج الله

الله يجلب بعد العسر ميسرة أبشر بخير فإن المعطي الله

والله مالك غير الله من أحدٍ فحسبك الله في كلٍ لك الله

فالأمل هو سبيل الحياة الراشدة الهانئة.

ورد عن حنظلة بن أبي عامر أنه قال: نافق حنظلة.

فقال له أبو بكر الصديق- رضي الله عنه-: ماذا تقول؟

فأجابه: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعظنا، ويذكرنا بالآخرة، فنذكر الموت، ونتَّعظ، ونخشع، فإذا خرجنا من عنده، ولهونا بالزوجة، ولا عبنا أولادنا، واشتغلنا بالأموال و... نسينا كثيراً مما سمعنا منه صلى الله عليه وسلم.

فقال له الصديق- رضي الله عنه-: كلنا يلقى مثل هذا.

ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدّث الصِّديق الرسول صلى الله عليه وسلم بما سمع من حنظلة، فقال له صلى الله عليه وسلم: ((يا حنظلة لو تدومون على ما تكونون عليه معي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن يا حنظلة! ساعة وساعة)) رواه أحمد والبزار.

فقد بيّن له صلى الله عليه وسلم أن ما يجري معه ليس نفاقاً، وإنما هو شأن الحياة، وهو في نطاق العبادة ما دام في الحلال، وأن لنفس الإنسان، وجسده، وزوجته، وأسرته، حقوقاً عليه يجب أن يؤدّيها، بالإضافة إلى حقوق الله تعالى عليه؛ ليسير الركبُ في الحياة آمناً، سالماً، سعيداً، راشداً.

وأن العبادة الحق أن يقوم المؤمن المسلم بما يجب عليه نحو الخالق، والخلق، والنفس، في الوقت المطلوب المحدد لكل حق.

ولا تخلو حياة الناس على أية حال من وعظ يذكر بالآخرة، حيث لقاء الله والحساب، أو جنازة تمرّ فيعتبر الإنسان بمصيره، أو قريب، أو صديق، أو حبيب له يموت، فيوقظه من غفلته.

وأما جانب الشَّرَّ فهو النسيان؛ الذي يورث طول الأمل، وترك الطاعة والعمل، فيعيش الطمع في النفوس؛ مما قد يؤدي إلى الكفر- والعياذ بالله-.

وقد رسم الرسولr للصحابة مربعا على الرمل سمّاه الأجل، ورسم وسطه خطاً سماه الإنسان فالأجل محيط به، لا مهرب منه، ثم رسم خطوطاً متجهة نحو هذا الإنسان سمّاها المصائب؛ التي لا بد منها، ثم رسم خطاً طويلاً يتجه من الإنسان، ثم يبتعد كثيراً مخترقاً المربع، وسمّاه الأمل، ثم قال: ((بينما يسعى الإنسان إلى أمله يأتيه أجله)) رواه أحمد والبخاري والترمذي وابن ماجه.

فآمال الإنسان كثيرة متجددة، لا تنقضي، ولكن عمره محدود مقدّر، ينقضي عند حلول أجله في الدنيا.

يا من بدنياه اشتغل وغرّه طولُ الأمل

ولم يزل في غفلةٍ حتى دنا منه الأجل

الموتُ يأتي بغتةً والقبرُ صندوقُ العمل

وعمر بن عبد العزيز- رحمه الله- كان يستشيرُ العلماء، ويصدر عن رأيهم، وكان مما قال لهم: إن نفسي تواقة، طموح، فكلما نالت شيئاً تاقت إلى ما هو أعظم منه. أما وقد نلت الخلافة، وليس شيءٌ في الدنيا أعظمَ منها، فقد تاقت نفسي للآخرة، مشتاقةً للجنة، فأعينوني على دخولها يرحمكم الله.

ﭽ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﭼ [العنكبوت: ٦٤]

أي: إن الحياة في الآخرة هي الدائمة المستقرة؛ التي لا موت فيها.

فيا أخي القارئ المفكر:

أنت الذي ولدتك أمُّك باكياً

والناس حولك يضحكون سرورا

فاعمل لنفسك كي تكون إذا بكوا

في يوم موتك ضاحكاً مسرورا

فإذا شعرت بدنو أجلك، فغادر دنياك مطمئناً بسلامة المال، وغزير الحصاد، ما دمت قد أحسنت الزرع في دنياك، وإذا لم يعجبك زادُك لآخرتك فلا تيأس من رحمة ربك، واذكر قول الشاعر:

تولى العمر واقترب الرحيل

وزادي في التقى زادٌ قليل

وفي لحدي إذا حان النزول

فهنوني أحبائي وقولوا:

لك البشرى قدمتَ على كريم

ولسانك نديّ بقوله تعالى:

) قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) ( [يس: ٢٦ – ٢٧]
avatar
abrahim
مشرف
مشرف

الجنس : ذكر
الابراج : السرطان
عدد المساهمات : 54
نقاط : 3125
السٌّمعَة : 40
تاريخ التسجيل : 24/07/2011
العمر : 41

رد: رحلة الحياة - الإنسان بين العمل والأمل والأجل

مُساهمة من طرف abrahim في السبت 19 مايو 2012 - 12:06



بدع الموت

ما أكثر البدع في حياة المسلمين! وهي جمع بدعة، وهي كلُّ أمر مستحدث في الدين، لم يرد في الشرع. الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ((كلُّ بدعةٍ ضلالة، وكلُّ ضلالة في النار)) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.

والدين كامل تضُّر به الزيادة، كما يضُّر به النقص. وفي الحديث: ((من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو ردّ)) رواه أحمد والبخاري ومسلم.

أي: مردودٌ عليه، مرفوض غير مقبول.

والبدعُ هي: الكوّة التي تسلل منها الجاهلون والمبالون، فأساؤوا من حيث يظنون أنهم يحسنون صُنعاً.

لقد ابتدعوا في الدِّين، وفد نهوا عن ذلك، وتركوا الابتداع في أمور الدنيا، وقد أمروا بذلك، فتقدم غيرنا وتأخرنا.

وبما أن حديثنا يتناول ما يتعلق بالموت، فقد ابتدع العامة له وفيه أموراً كثيرة لم يرد فيها نصٌّ من قرآن أو سنة، بل ربما ورد النصُّ بخلافها في كثير من الأحيان، نكتفي منها بما يأتي:

(1) النياحة، والعويل بألفاظ الجاهلية، والندب بكلام محرم، وقد يرافق ذلك لطم الخدود، وشق الثياب. وفي الحديث: ((ليس منا من لطم الخدود، وشقّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)) رواه أحمد والبخاري ومسلم.

فالموت من قدر الله وقضائه على عباده، فالصبرُ والاحتساب هما خلق المؤمن إذا فجع بقريب، أو صديق، أو حبيب، يخرج معهما بالأجر. وثواب ذلك عند الصدمة الأولى؛ لحديث: ((إنما الصبرُ عند الصدمة الأولى)) رواه البخاري ومسلم.

أي: إنما ينال ثواب الصبر من تمثله عند أول الفاجعة، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وعوِّضي خيراً منها.

فإذا دعا بدعوى الجاهلية رجَع بالوزر، وشتّان بين الأجر والوزر:

هو الموت لم ينجُ منه امرؤ ولو أنَّه في بروجٍ تشيّد

يموتُ الصغيرُ كما أنه يموت الكبيرُ فهل من مخلد؟!

وما المرء إلا رهينُ الرّدى فسبحان الذي بالبقاء تفرّد

مصابُك إن شئت تخفيفه ففكِّر بموتِ النبيّ محمد

(2) رفع الأصوات، والغوغائية عند التشييع؛ مما يذهب الشعور برهبة الموت، والمشيّع للميّت يأخذ بكل خطوة حسنة، تضاعف حسب إخلاصه، واعتباره بمصيره، واستعداده له بالصالحات، فأي اعتبار يتوفّر في جوّ الغوغائية، والفوضى، والصراخ؟! ولاسيما حين يتحدّث كثيرٌ من المشيعين عن أمور الدنيا وزينتها، والبيع، والتجارة؟!

(3) تأجيل دفنه ساعات، بل أياماً، ليحضر أولاده فيشهدوا تشييعه ودفنه، فالسُّنة: التعجيل به إلى قبره، فإن يكُ صالحاً فقد قدّموا له حسنة، وزادوه قُربى من ربّه، وإن يكُ غير ذلك فقد وضعُوا عنهم شرّاً.

(4) باقات الورود والزهور ذات الثمن الباهظ تُوضع على قبره، مصيرها السرقة، أو الذبول، ويُداس كثيرٌ منها بإقدام المشيّعين، وقد كره لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إضاعة المال، كما في هذه الحال.

(5) وضع النعش أمام المصلين في المسجد يوم الجمعة، أو في الصلوات الخمس قبل أداء صلاة الجمعة، أو فريضة الصلاة، ثم يصلىّ عليه، والواجب وضعه خارج المسجد، حتى إذا انتهت الفريضة، أُدخل لصلىّ عليه صلاة الجنازة؛ التي خلت من الركوع والسجود؛ ليكون ذانك لله شكلاً ومضموناً.

(6) القبور الفخمة الضخمة المكلفة، يُصرفُ عليها أموالٌ طائلة، تذهبُ هدراً، مع أن خير القبور الدوارس. وكم يؤلم المسلم الغيور أن يرى مساجد بنيت بإسراف قبابها من ذهب خالص، يقف تحتها فقيرٌ مسلم يطلب صدقة لأولاده الجائعين! وأن يرى في المساجد قبراً أو قبوراً لعالم، أو وليّ، أو صالح، وذلك مما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعن وذمَّ أقوامً اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد: ﭽ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﭼ [الجن: ١٨]

(7) إطعام الناس في بيت الميت بعد دفنه، وكأنهم في فَرَح، مع أنهم عل مصابٍ أليم، ويدعى إلى الطعام الأغنياء والوجهاء من المشيّعين، ويمنع عنها الفقراء، وهي شرُّ الولائم كما وصفها صلى الله عليه وسلم. ويزيد الطين بلة أنَّ أولادَ الميت قد يكونون من الفقراء، لم يترك لهم أبوهم مالاً، أ, عقاراً، أو، ... فيستدينون ليطعموا الناس، ويفعلون مثل ذلك في أول خمسين يمرُّ بعد موته، وفي الأربعين من وفاته، وفي كلّ سنة! مما يكلف رهقاً، ويضيع بدداً، ويذهب سدى لا نفع، ولا ثواب.

مع أنَّ الواجب أن يصنع الناسُ لأهل الميت طعاماً؛ لأنهم في مصاب يضعفهم، ويشغلهم عن صنع الطعام، أو تهيئته.

وكان صلى الله عليه وسلم يقول عند موت أحد أصحابه: (اصنعوا لأهل طعاماً فإنه في شغل شاغل) رواه الترمذي وأبن ماجه..

فأين نحن من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته، وإرشاداته الحكيمة؟ ولقد بعدت الشقة، واتسع الخرق على الراقع!

(8) الحزن على الميت أكثر من المشروع، فكلّ قريب للميت يظهر الحزن بثلاثة أيام، وهي زمن العدة: ) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ( [البقرة: ٢٣٤] تمتنع فيها عن الزينة- وهو الحداد- وفاءً للزوج؛ الذي كان بينهما ميثاق غليظ، ومن الحداد ترك الطيب بأنواعه.

فإن كانت حاملاً ففي المسألة قولان:

أ- قول الجمهور، وهو أنَّ عدتها تنقضي بوضع الحمل ولو بعد وفاته بدقائق.

ب- تعتد بأبعد الأجلين، فإن ولدت بعد مرور أربعة أشهر وعشرة أيام؛ ليتحقق إظهار الحداد على الزوج، وهو قول علي- كرم الله وجهه- والنفس تميلُ إلى هذا الرأي، ففيه الجمعُ بين الآية التي سلفت، قوله تعالى في سورة [الطلاق: 4] ) وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا وبذلك نجمعُ بين استبراء رحمها وإظهارها الحداد على زوجها.

والإسلام دينٌ يدعو للتفاؤل، واستئناف الحياة- بعد مرور مدَّة الحزن المشروع- بأمل، وجدّ، وحيوية، ونشاط؛ لنتابع الإنتاج، والعطاء، ونحقق الخلافة في الأرض ففي [سورة البقرة الآية: 30] ﭽ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭼ وطول الحزن، أو دوامه يمنع هذا، ويكرس اليأس والقنوط، فيقضي على مستقبل الإنسان، وآماله، ويسيء إلى عقيدته. وكم عطل ذلك من مصالح، وأفسد من عمل صالح، وأزال من منافع، وفسخ من عقود- زواج، أو بيع، أو ...- وأحدث من أضرار!

على أن هناك أناساً يتصنعون لبس السواد نفاقاً،ولا يتورعون عن أي تفلت من قيود الشرع أو الفضائل،ومحلّ الحزن في القلب لا في اللباس، والمظاهر الخادعة، والمعتدةُ يجوزُ لها الخروج لأي عمل ضروري، وملحّ مشروع، كحضور شهادة في المحكمة، أو مراجعة طبيبة، أو شراء حاجات لم يوجد من يشتريها أو يحضرها لها، وقِس على ذلك.

ويعجبني التفاؤل في الحياة حتى في أحلك أوقاتها، وأمرّ أيامها، وسرَّني ما كان يفعله المسلمون في الأندلس من لبس البياض نساء ورجالاً بعد وفاة قريب، أو صديق؛ ليذكرهم بالأمل، واسئناف العمل بنشاطٍ لا يعرف الخمول، أو الكسل.

ومن جميل ما قرأت في كتب الأدب أنَّ شاعراً شاب رأسه باكراً فسُئِل عن ذلك فأجاب:



لئن كان البياضُ لباسَ حزن

بأندلس وذاك من الصّواب

فها أنا قد لبستُ بياض شيبي

لأني قد حزنتُ على شبابي

(9) قراءة القرآن على القبور، فالقرآنُ الكريم دستورُ الأحياء، ومنهجٌ متكامل لحياة الناس ودنياهم، أُنزل ليكون نبراساً للخلق يضيءُ لهم طريق السعادة الدنيوية والأخروية، ويُوقظ فيهم الضمير، لا ليكون ترنيمات على قبور الأموات!

أما قوله صلى الله عليه وسلم: ((اقرؤوا على موتاكم يس)) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.

فمعناه: اقرؤوا ((يس)) على المحتضر وهو على فراش الموت لم يمت بعدُ، وإنما بدت عليه دلائل قرب الموت، وغلب على ظنّ من حوله أن أجله قريبٌ، فليسمعوه سورة ((يس)).

وفي الحديث مجازٌ، كقوله تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم في سورة [الزمر الآية: 30]، وكان صلى الله عليه وسلم حياً لم يمت بعد: ) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ( ففي الآية مجازٌ، إذ الأصلُ: إنك ستموت وإنهم سيموتون.

وكذلك الحديث القائل: ((لقِّنوا موتاكم لا إله إلا الله)) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه.

أي: قولوها أمام من غلب على ظنكم قرب أجله؛ ليرددها، ويغادر الدنيا مُوحِّداً.

أمّا قراءة القرآن الكريم في بيت الميت مساءً ثلاثة أيام يسمعه المعزّون، فأمرٌ لا بأس به؛ لأنه يُقرأ للأحياء فيتعظون، ويعتبرون، ولاسيما حين يحسنُ القارئ اختيار الآيات الكريمة المتعلقة بالموت، وعبرته، وعظاته، سواء أكان القرآنُ يصدرُ عن قارئ موجودٍ في بيت الميت يراه المعزّون، أم عن آلة تسجيلٍ وُضِع فيها شريطة لأفضل القراء ومشاهيرهم.

ولا أكتمكم أنني حضرتُ معزّياً إلى بيت أحد الصَّالحين مات، وأوصى ألا يقرأ في بيته قرآن، فجلست دقائق مللتُ فيها، وأسرعت بالخروج فقد رأيت ما لا يسرُّ: هذا يدخّن فيملأ الجو أذىً وسوءاً، وذاك يتحدّث عن فلان مغتاباً، وآخر يتحدث عن فلان مادحاً، ورابع يرفع صوته: يطلب قهوة أو ماءً، وخامس ... و ... مما لو علم من أوصى بما سيجري لما أوصى بما أوصى به.

ولا مانع من أن يسمعَ الناسُ واعظاً موفقاً يُحسِنُ الوعظَ والنصيحة، يدعوهم بإيجاز خلال دقائق معدودة إلى الاعتبار بمصير كلّ مخلوق في الدنيا؛ ليستقيم السامع، ويصلح حاله، ويدعو للميت بالمغفرة والرحمة، والرضوان، فأكثر قلوب الناس اليوم عابثة، لاهية، وعن الموت ساهية.

روى البيهقي عن الرسول صلى الله عليه وسلم: ((اقرؤوا سورة البقرة في بيوتكم ولا تجعلوها قبوراً)) أ: لا تجعلوها كالقبور خالية عن القراءة والذكّر.

(10) زيارة النساء للقبور بكثرة، ولاسيما في الأعياد حيث الازدحام. وإن تعجب فعجب أن ترى منهن الكاشفات المتبرجات بكل زينة لم يعتبرن بموت من سبقهن، وفي الحديث: ((لعن الله زوّارات القبور)) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه.

فالرّواية الراجحة الحسنة فيه بصيغة المبالغة ((زوّارات)) أما رواية: ((زائرات)) فضعيفة، ردّها كثير من أهل العلم. وقال ابن عدي: لا أعلمُ أحداً من المتقدمين رضي هذه الرّواية؛ ذلك لأن المرأةَ كالرجل تحتاجُ إلى من يذكّرها بالموت، والمصير، والحساب- ولاسيما في هذا القرن- وزيارة القبور تذكِّر بذلك، شريطة ألا تُكثر من زيارة القبور، وأن يكون معها زوج أو محرم؛ لأن المقابرَ خاليةٌ من الناس في الغالب، فيخشى أن تتعرض فيها لفتنةٍ، فوجود زوج أو محرم يصونها من ذلك.

كما أن عليها أن تكتفي بالدعاء للميت، وتمتنع عن كل كلام، أو فعال تُعتبر من أعمال الجاهلية من: ندب، أو صراخ، أو شق ثوب، أو لطم، أو ... وإلا حرمت عليها الزيارة.

الاستعداد ليوم الرحيل

يقول سيدنا محمد r:

((أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة)) رواه البخاري

أي: لم يترك له عذراً.

كما ورد عن ابن عباس- رضي الله عنهما-: من بلغ الأربعين ولم يغلب خيره شره فليجهز إلى النار.

وورد عن أحد الصحابة قوله: إذا بلغ الرجل أربعين سنة ناداه منادٍ: دنا الرحيل فأعد زاداً.

وعن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: أخذ رسول اللهr بمنكبي وقال لي: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه.

وروى الترمذي أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك))

ويقول الإمام الغزالي- رحمه الله تعالى-:

ومن لم يخطر في باله قرب أجله فهو في غفلة دائمة، وفتور مستمر، وتسويف مُتتابع، إلى أن يدركه الموت، وتهلكه حسرة الموت.

هذا، وإنَّ طولَ الأمل عائقٌ عن كل خير، وجالب لكلّ شر؛ لأنه إذا طال أملك هاج لك منه أربعة أشياء:

(1) الكسل عن الطاعة، تقول: سوف أصلي وأزكي، سوف أصوم، سوف أحجّ، والأيام أمامي كثيرة، وقد لا تدرك منها شيئاً إلا وأنت تحت الأرض بعد أن كنت فوق الثرى.

أتدري كيف يسرق من الإنسان عمره؟ يقول: سوف وسوف، يعيش في ارتقاب غده، غافلاً عن يومه، فيلاقي الموت صفر اليدين من الصّالحات.

(2) ترك التوبة وتأجيلها، تقول: أنا سأتوب متى شئت، وذلك جهلٌ ووهم، فربما اخترمتك يدُ المنون، واختطفك الأجلُ قبل إصلاح القول والعمل.

(3) الحرص على الدنيا وجمع ما فيها، تقول: أخاف الفقر ولا بُدَّ لي من مال أدّخره لمرض، أو شيخوخة، أو حاجة، فتحرص على ما في يدك، وتمنع حقّ الفقير منه، وينشغل قلبُك بالدنيا ومفاتنها، ويضيع وقتك، ويكثر همّك وغمّك.

(4) قسوة القلب، ونسيان الآخرة؛ لأنك إذا أملت طول العيش لم تذكر الموت، وصار فكرك منصرفاً إلى الدنيا فحسب، فلا ترحم فقيراً، ولا تعين ضعيفاً، ولا تساعد محتاجاً.

وإن أبعد قلوب الناس عن ربِّنا الرحيم قلب قاس

) أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ( [الحديد: ١٦]

المرءُ يأمُل أن يعيشَ وطولُ عيشٍ قد يضرّه

تبلى بشاشتُه ويبقى بعد حلو العيش مرّه

وتخونه الأيامُ حتى لا يرى شيئاً يسّره

كم شامتٍ بي إن هلكـ ـت وقائل: لله درّه

وكم مستقبل يوماً لم يستكمله، ومنتظر غداً لم يدركه!

والدنيا ثلاثة أيام أمس قد مضى، وغد لم يأت، فاغتنم اليوم الذي أنت فيه بالصّالحات، فهو كنزك الحاضر.

ما مضى فاتَ والمؤمّل غيبٌ ولك الساعةُ التي أنت فيها

ورحم الله القائل:

ذهب الشبابُ فما له من عودةٍ وأتى المشيبُ فأين منه المهرب؟!

ضيفٌ أناخ عليكَ لم تحفل به فترى له أسفاً ودمعاً يسكب

دع عنك ما قد فات في زمن الصّبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب

واذكر مناقشة الحسابِ فإنّه لا بُدَّ يُحصى ما جنيت ويكتب

والليلُ فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا بهما تُعدّ وتحسب

لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاهٍ تلعب

والروحُ فيك وديعةٌ أودعتها ستردها بالرغم عنك وتُسلب

وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها تزولُ وتذهب

وجميع ما أوعيته وجمعته عمّا قليلٍ بعد موتك يُنهب

فاعمل لربك إنّه أدنى لمن يدعوه من حبل الوريد وأقرب

فيا أخي المؤمن! إنَّ لقاءَ الله يوم الدين، والحساب عقيدة فوق الشبهات، فلنتهيأ لها بالزاد الطيب من الهدى، والتقى، والعفاف، ولنكر ما ورد في الخبر: إنَّ الرائدَ لا يكذب أهله. والله! لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتجزون بالإحسان إحساناً، وبالسوء سوءاً، وإنها لجنة أبداً، أو النار أبداً.

لقد ارتحلت الدنيا وهي مدبرةٌ عنا، وارتحلت الآخرةُ وهي مقبلةٌ علينا، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة المقبلة، لا من أبناء الدنيا المدبرة، فإنَّ اليومَ عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل.

وأنت يا أخي المؤمن! خفِّف الحملَ فإنَّ العقبة كؤود، وأكثرِ الزَّادَ فإن السفرَ بعيد، وأحكم السفينة فإن البحرَ عميق، وأخلص العملَ فإنَّ الناقدَ بصير.

دخل علي- كرم الله وجهه- إلى مقبرة مع بعض أصحابه فقال: سلام عليكم دار قوم آمنين، أنتم السابقون، ونحن بكم إن شاء الله لاحقون، يغفر الله لنا ولكم، ثم قال:

يا أهل الدِّيار المقفرة، والأماكن الموحشة، والعظام النخرة! إنا سنخبركم بما جرى بعدكم: بيوتكم سُكنت، وأموالكم قُسّمت، وبناتكم ونساؤكم زُوِّجت، فأخبرونا بما سيجري بنا.

فقالوا: أو يسمعونك يا أمير المؤمنين؟!

فأجابهم: والله! لو نطقوا قالوا: ) وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ( [البقرة: ١٩٧]

avatar
waleed
مشرف
مشرف

الجنس : ذكر
الابراج : العقرب
عدد المساهمات : 189
نقاط : 5757
السٌّمعَة : 70
تاريخ التسجيل : 23/10/2011
العمر : 32
الموقع : اليمن

رد: رحلة الحياة - الإنسان بين العمل والأمل والأجل

مُساهمة من طرف waleed في الأربعاء 25 يوليو 2012 - 15:35

موضوع رائع
جزاك الله خير
وبارك الله فيك
وجعله في ميزان حسناتك


_________________

*******************************************
avatar
khalidbinbader
مشرف
مشرف

الجنس : ذكر
الابراج : الميزان
عدد المساهمات : 92
نقاط : 3709
السٌّمعَة : 70
تاريخ التسجيل : 24/07/2011
العمر : 38

رد: رحلة الحياة - الإنسان بين العمل والأمل والأجل

مُساهمة من طرف khalidbinbader في السبت 4 أغسطس 2012 - 15:38

موضوع رائع

جزاك الله خير
avatar
الماس
مشرف
مشرف

الابراج : الثور
عدد المساهمات : 66
نقاط : 3586
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 24/02/2012
العمر : 30

رد: رحلة الحياة - الإنسان بين العمل والأمل والأجل

مُساهمة من طرف الماس في الثلاثاء 7 أغسطس 2012 - 18:35



_________________

*******************************************
avatar
محمدأحمدالجيلاني
فارس جديد
فارس جديد

الجنس : ذكر
الابراج : القوس
عدد المساهمات : 74
نقاط : 2668
السٌّمعَة : 50
تاريخ التسجيل : 26/11/2012
العمر : 23
الموقع : yemen

رد: رحلة الحياة - الإنسان بين العمل والأمل والأجل

مُساهمة من طرف محمدأحمدالجيلاني في الأربعاء 19 ديسمبر 2012 - 13:00



_________________

*******************************************
avatar
فريدهمام
فارس جديد
فارس جديد

الجنس : ذكر
الابراج : الدلو
عدد المساهمات : 77
نقاط : 2671
السٌّمعَة : 20
تاريخ التسجيل : 07/01/2013
العمر : 38
الموقع : الجزائر

رد: رحلة الحياة - الإنسان بين العمل والأمل والأجل

مُساهمة من طرف فريدهمام في الأربعاء 9 يناير 2013 - 9:17

مشاركة رائعة
مشكووورررررررررر
avatar
شيماء النعماني
فارس جديد
فارس جديد

الابراج : السرطان
عدد المساهمات : 43
نقاط : 2259
السٌّمعَة : 20
تاريخ التسجيل : 14/04/2013
العمر : 31
الموقع : فلسطين

رد: رحلة الحياة - الإنسان بين العمل والأمل والأجل

مُساهمة من طرف شيماء النعماني في الأحد 23 يونيو 2013 - 11:02

********
************
avatar
عبد الغني الأنصاري
مشرف
مشرف

الجنس : ذكر
الابراج : الثور
عدد المساهمات : 58
نقاط : 2597
السٌّمعَة : 80
تاريخ التسجيل : 17/12/2012
العمر : 24
الموقع : المملكة العربية السعوديه

رد: رحلة الحياة - الإنسان بين العمل والأمل والأجل

مُساهمة من طرف عبد الغني الأنصاري في الثلاثاء 6 مايو 2014 - 11:43

جزاك الله خير
وجعله في ميزان حسناتك


_________________

*******************************************

    الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 18 نوفمبر 2018 - 0:43